حديث الزمان
16 01 2006, 08:13 م
أخرج الطبري والبلاذري والخطيب البغدادي وابن كثير وابن الأثير وغيرهم : أن الخوارج أقبلوا من البصرة يستعرضون الناس في طريقهم , فإذا هم برجل يسوق بامرأته وهي حامل على حمار له , فدعوه وانتهروه وهددوه وأفزعوه ,
وقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا عبدالله بن خباب بن الأرت [ الحاشية : هو عبدالله بن خباب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة .ولد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان موصوفا بالخير والصلاح والفضل ,ورد المدائن وقتلته الخوراج بالنهروان ] صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض وكان سقط عنه لما أفزعوه ـ فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم , قالوا له : لا رَوْع عليك ! فحدِّثنا عن أبيك بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم , لعل الله ينفعنا به ! قال : حدّثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل فيصبح مؤمنا ويمسي كافرا , ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا " فقالوا : لهذا الحديث سألناك , فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيرا , قالوا : ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟ قال : إنه كان محقّا في أولها وفي آخرها , قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال: إنه أعلم بالله منكم , وأشدّ توَقِّياً على دينه , وأنْفَذُ بصيرةً .
[ وعند البلاذري" أنساب الأشراف 1/142 " : قالوا له : ما تقول في علي ؟ قال : أقول إنه أمير المؤمنين , وإمام المسلمين ]
فقالوا : إنك تتبع الهوى , وتُوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها , والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا, وأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى مُتِمّ [ الحاشية : يقال : امرأة متمّ , للحامل إذا شارفت الوضع ]حتى نزلوا تحت نخل مواقير [ الحاشية : وعند (الطبري ) و ( ابن الجوزي في " المنتظم " )" مواقر " : أوقرت النخلة , إذا كثر حملها , ونخلة موقر والجمع مواقر ]
فسقطت رطبة منها فقذفها بعضهم في فيه , فقال له رجل منهم : أبغير حلها ولا ثمن لها ؟ فألقاها من فيه واخترط سيفه وجعل يهزه فمرّ به خنزير لذمي فقتله بسيفه , فقال له بعض أصحابه : إن هذا لمن الفساد في الأرض . فطلب صاحب الخنزير حتى أرضاه , فقال ابن خباب : لئن كنتم صادقين فيما أرى وأسمع إني لآمن من شرّكم
[ وعند الطبري " 5/82 " : فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليّ منكم بأس , إنِّي لَمُسلِم , ما أحدثتُ في الإسلام حدثا , ولقد أمَّنْتُمُونِي , قلتُم : لا رَوْع عليك! ]
قال : فجاؤوا به فأضجعوه على شفير نهر وألقوه على الخنزير المقتول فذبحوه عليه كما تذبح الشاة, فسال دمه في الماء مثل الشراك ما أمذقرّ
الحاشية : أي ما اختلط بالماء
وأخذوا امرأته فقالت : إني امرأة حبلى , ألا تتقون الله , فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها ,وقتلوا ثلاث نسوة كنّ معها.
فبلغ علياّ خبر ابن خباب وامرأته والنسوة , وخبر سواديٍّ لقوه بنفّر فقتلوه , فبعث علي إليهم ابن الحارث بن مرة العبدي ليتعرف حقيقة ما بلغه عنهم , فلما أتى النهروان وقرب منهم خرجوا إليه فقتلوه , وبلغ ذلك عليا ومن معه , فقالوا له : ما ترْكُنا هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالاتنا بما نكره ؟ سر بنا إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا أهل المغربالحاشية : يعني أهل الشام , وكانوا يسمون الشام المغرب
فإن هؤلاء أحضر عداوة وأنكى حدا . وقال : وقام الأشعث بن قيس الحاشية : هو الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة , أبومحمد . قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة , ثم رجع إلى اليمن , فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّ وحُمل إلى أبي بكر مقيّدا فأسلم وشهد مع سعد قتال الفرس بالعراق , وكان على راية كندة في صفين مع علي . وحضر قتال الخوارج بنهروان , ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات سنة 40 هـ
فكلمه بمثل ذلك فنادى عليٌّ بالرحيل .
وأتى عليّ المدائن وقد قدمها قيس بن سعد بن عبادة , وكان عليّ قدَّمه إليها . ثم أتى عليّ النهروان فبعث إلى الخوارج : أن أسلموا لنا قتلةابن خباب ورسولي والنسوة لأقتلهم ثم أنا تارككم إلى فراغي من أمر أهل المغرب , فلعل الله يُقبل بقلوبكم ويردكم إلى ما هو خير لكم وأملك بكم , فقالوا : كلنا قتله , فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول , وبعثوا إلى على أنه ليس بيننا وبينك إلا السيف إلا أن تقرّ بالكفر وتتوب كما تبنا . فقال علي : أبَعْدَإيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه , وجهادي في سبيل الله , أشهد على نفسي بالكفر ! ** لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين } .
ودعاهم إلى تقوى الله والبرّ ومراجعة الحق , فكتب إليه ابن وهب الراسبيّ ** إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } إن الله بعث محمدا بالحق وتكفل له بالنصر كما بلغ رسالاته , ثم توفاه إلى رحمته , وقام بالأمر بعد أبوبكر بما قد شهدته وعاينته متمسكا بدين الله مؤثرا لرضاه حتى أتاه أمر ربه , فاستخلف عمر , فكان من سيرته ما أنت عالم به , لم تأخذه في الله لومة لائم , وختم الله له بالشهادة , وكان من أمر عثمان ما كان حتى سار إليه قوم فقتلوه لما آثر الهوى وغيّر حكم الله , ثم استخلفك الله على عباده فبايعك المؤمنون وكنت لذلك عندهم أهلا , لقرابتك بالرسول , وقَدَمك في الإسلام , ووردتَ صفين غير مداهن ولا وانٍ , مبتذلاً نفسك في مرضاة ربك , فلما حَمِيت الحرب وذهب الصالحون : عمار بن ياسر , وأبوالهيثم بن التَّيِّهان , وأشباههم , اشتمل عليك من لا فقه له في الدين ولا رغبة في الجهاد , مثل الأشعث بن قيس وأصحابه واستنزلوك حتى ركنت إلى الدنيا , حين رُفعت لك المصاحف مكيدة فتسارع إليهم الذين استنزلوك , وكانت منا في ذلك هفوة ثم تداركنا الله منه برحمته , فحكَّمتَ في كتاب الله وفي نفسك , فكنت في شك من دينك وضلال عدوك وبغيه عليك , كلا والله يا ابن أبي طالب ,ولكنكم ** ظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا } وقلتَ : لي قرابة من الرسول وسابقة في الدين فلا يعدل الناس بي معاوية , فالآن فتب إلى الله وأقرّ بذنبك , فإن تفعل نكن يدك على عدوك , وإن أبيت ذلك فالله يحكم بيننا وبينك.
قالوا : وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فناداهم فقال : يا عباد الله أخرجوا إلينا طِلْبَتَنا , وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم , وانهضوا إلى عدوكم وعدونا معا, فإنكم ركبتم عظيما من الأمر , تشهدون علينا بالشرك ,والشرك ظلم عظيم , وتسفكون دماء المسلمين , وتعدّونهم مشركين ! . فقال له عبدالله بن شجرة السلمي : إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أبدا حتى تأتونا بمثل عمر . فقال : والله ما نعلم على الأرض مثل عمر إلا أن يكون صاحبنا.
وخطبهم أبوأيوب الأنصاري فقال : عباد الله , إنّا وإيّاكم على الحال الأولى التي كنا عليها , ليست بيننا وبينكم فرقة , فعلام تقاتلونا ؟ ...
ووعظهم علي مرارا , منها " ... فبيِّنوا لنا بماذا تستحلون قتالنا , والخروج من جماعتنا , إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم , ثم تَستعرضوا الناس , تضربون رقابهم , وتَسفكون دماءهم ! إنّ هذا لهو الخسران المبين . والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظُم عند الله قتلُها , فكيف بالنفس التي قتْلُها عند الله حرام! "
فتنادَوا : لا تخاطبوهم , ولا تكلّموهم , وتهيئوا للقاء الربّ , الرّواح الرّواح إلى الجنة !
فقال لهم علي : " يا قوم إنه قد غلب عليكم اللجاج والمراء واتّبعتم أهواءكم فطمح بكم تزيين الشيطان لكم وأنا أنذركم أن تصبحوا صرعى بأهضام هذا الغائط وأثناء هذا النهر " .
فلما لم يرعليّ عندهم انقيادا ـ وكان في أربعة عشر ألفا ـ عبّأ الناس وعبّأت الخوارج , ورفع عليٌّ راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري , فناداهم أبوأيوب : مَن جاء هذه الرّاية منكم ممّن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن , ومَن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمِن , إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قَتَلَة إخواننا منكم في سفك دمائكم .
فقال فروة بن نوفل الأشعجي : والله ما ندري على أي شيء نقاتل عليّا ؟ فانصرف في خمسمائة فارس, وخرجت طائفة منهم أخرى متفرقين فنزلت الكوفة , وأتى مسعر بن فدكي التميمي راية أبي أيوب الأنصاري في ألف , واعتزل عبدالله بن الحوساء ـ ويقال : ابن أبي الحوساء الطائي ـ في ثلاثمائة وخرج إلى عليّ منهم ثلاثمائة فأقاموا معه , وكانوا أربعة آلاف فارس ومعهم خلق من الرجّالة . واعتزل حوثرة بن وداع في ثلاثمائة [ وعند الطبري " 5/86 " : .. نحو من مائة ], واعتزل أبومريم السعدي في مائتين , واعتزل غيرهم , فكان الذي بقوا مع عبدالله بن وهب الراسبي ألفين وثمانمائة ,وزحفوا إلى علي .
وقال علي لأصحابه : كفوا عنهم حتى يبدأوكم . ونادى حمزة بن سنان الأسدي الخارجي : روحوا إلى الجنة , فقال ابن وهب : والله ما ندري أنروح إلى الجنة أم إلى النار وتَنادَى الحرورية : الرواح إلى الجنة معاشر المخبتين وأصحاب البرانس المصلين , فشَدُّوا على أصحاب عليّ شدة واحدة ,فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم , فافترقت خيل عليّ فرقتين : فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة . وأقبلوا نحو الرجالة فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل حتى كأنهم معزى تتقى المطر بقرونها , ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة , ونهض عليّ إليهم من القلب بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أُهمدوا في ساعة [ وعند ابن خلدون 3/640 " : فهلكوا كلهم في ساعة واحدة كأنما قيل لهم موتوا ] .
[ الحاشية : عن علقمة بن عامر قال: سئل عليّ عن أهل النهروان أمشركون هم ؟ فقال : من الشرك فروا , قيل أفمنافقون ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا , فقيل ما هم يا أمير المؤمنين ؟ قال : إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا .]وخرج عليٌّ في طلب ذي الثُّديّة , فوجدوه في حُفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلا , فلما استُخرج نظر إلى عَضُده , فإذا لحمٌ مجتمع على منكبه كثّدْي المرأة , له حَلَمة عليها شعرات سُود , فإذا مُدّتْ امتَدّتْ حتى تحاذى طول يده الأخرى , ثم تُترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة , فلما استُخرج قال عليٌّ : الله أكبر! والله ما كذبتُ ولا كُذِبت , أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل , لأخبرتُكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم , عارفا للحق الذي نحن عليه . ثم مرّ علي وهم صرعى فقال : بؤساً لكم ! لقد ضرّكم مَن غرّكم , فقالوا : يا أمير المؤمنين , مَن غرّهم ؟ قال : الشيطان ,وأنفسٌ بالسوء أمّارة , غرّتهم بالأماني , وزيّنت لهم المعاصي , ونبّأتهم أنهم ظاهرون .
وقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا عبدالله بن خباب بن الأرت [ الحاشية : هو عبدالله بن خباب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة .ولد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان موصوفا بالخير والصلاح والفضل ,ورد المدائن وقتلته الخوراج بالنهروان ] صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض وكان سقط عنه لما أفزعوه ـ فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم , قالوا له : لا رَوْع عليك ! فحدِّثنا عن أبيك بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم , لعل الله ينفعنا به ! قال : حدّثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل فيصبح مؤمنا ويمسي كافرا , ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا " فقالوا : لهذا الحديث سألناك , فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيرا , قالوا : ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟ قال : إنه كان محقّا في أولها وفي آخرها , قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال: إنه أعلم بالله منكم , وأشدّ توَقِّياً على دينه , وأنْفَذُ بصيرةً .
[ وعند البلاذري" أنساب الأشراف 1/142 " : قالوا له : ما تقول في علي ؟ قال : أقول إنه أمير المؤمنين , وإمام المسلمين ]
فقالوا : إنك تتبع الهوى , وتُوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها , والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا, وأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى مُتِمّ [ الحاشية : يقال : امرأة متمّ , للحامل إذا شارفت الوضع ]حتى نزلوا تحت نخل مواقير [ الحاشية : وعند (الطبري ) و ( ابن الجوزي في " المنتظم " )" مواقر " : أوقرت النخلة , إذا كثر حملها , ونخلة موقر والجمع مواقر ]
فسقطت رطبة منها فقذفها بعضهم في فيه , فقال له رجل منهم : أبغير حلها ولا ثمن لها ؟ فألقاها من فيه واخترط سيفه وجعل يهزه فمرّ به خنزير لذمي فقتله بسيفه , فقال له بعض أصحابه : إن هذا لمن الفساد في الأرض . فطلب صاحب الخنزير حتى أرضاه , فقال ابن خباب : لئن كنتم صادقين فيما أرى وأسمع إني لآمن من شرّكم
[ وعند الطبري " 5/82 " : فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليّ منكم بأس , إنِّي لَمُسلِم , ما أحدثتُ في الإسلام حدثا , ولقد أمَّنْتُمُونِي , قلتُم : لا رَوْع عليك! ]
قال : فجاؤوا به فأضجعوه على شفير نهر وألقوه على الخنزير المقتول فذبحوه عليه كما تذبح الشاة, فسال دمه في الماء مثل الشراك ما أمذقرّ
الحاشية : أي ما اختلط بالماء
وأخذوا امرأته فقالت : إني امرأة حبلى , ألا تتقون الله , فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها ,وقتلوا ثلاث نسوة كنّ معها.
فبلغ علياّ خبر ابن خباب وامرأته والنسوة , وخبر سواديٍّ لقوه بنفّر فقتلوه , فبعث علي إليهم ابن الحارث بن مرة العبدي ليتعرف حقيقة ما بلغه عنهم , فلما أتى النهروان وقرب منهم خرجوا إليه فقتلوه , وبلغ ذلك عليا ومن معه , فقالوا له : ما ترْكُنا هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالاتنا بما نكره ؟ سر بنا إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا أهل المغربالحاشية : يعني أهل الشام , وكانوا يسمون الشام المغرب
فإن هؤلاء أحضر عداوة وأنكى حدا . وقال : وقام الأشعث بن قيس الحاشية : هو الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة , أبومحمد . قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة , ثم رجع إلى اليمن , فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّ وحُمل إلى أبي بكر مقيّدا فأسلم وشهد مع سعد قتال الفرس بالعراق , وكان على راية كندة في صفين مع علي . وحضر قتال الخوارج بنهروان , ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات سنة 40 هـ
فكلمه بمثل ذلك فنادى عليٌّ بالرحيل .
وأتى عليّ المدائن وقد قدمها قيس بن سعد بن عبادة , وكان عليّ قدَّمه إليها . ثم أتى عليّ النهروان فبعث إلى الخوارج : أن أسلموا لنا قتلةابن خباب ورسولي والنسوة لأقتلهم ثم أنا تارككم إلى فراغي من أمر أهل المغرب , فلعل الله يُقبل بقلوبكم ويردكم إلى ما هو خير لكم وأملك بكم , فقالوا : كلنا قتله , فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول , وبعثوا إلى على أنه ليس بيننا وبينك إلا السيف إلا أن تقرّ بالكفر وتتوب كما تبنا . فقال علي : أبَعْدَإيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه , وجهادي في سبيل الله , أشهد على نفسي بالكفر ! ** لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين } .
ودعاهم إلى تقوى الله والبرّ ومراجعة الحق , فكتب إليه ابن وهب الراسبيّ ** إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } إن الله بعث محمدا بالحق وتكفل له بالنصر كما بلغ رسالاته , ثم توفاه إلى رحمته , وقام بالأمر بعد أبوبكر بما قد شهدته وعاينته متمسكا بدين الله مؤثرا لرضاه حتى أتاه أمر ربه , فاستخلف عمر , فكان من سيرته ما أنت عالم به , لم تأخذه في الله لومة لائم , وختم الله له بالشهادة , وكان من أمر عثمان ما كان حتى سار إليه قوم فقتلوه لما آثر الهوى وغيّر حكم الله , ثم استخلفك الله على عباده فبايعك المؤمنون وكنت لذلك عندهم أهلا , لقرابتك بالرسول , وقَدَمك في الإسلام , ووردتَ صفين غير مداهن ولا وانٍ , مبتذلاً نفسك في مرضاة ربك , فلما حَمِيت الحرب وذهب الصالحون : عمار بن ياسر , وأبوالهيثم بن التَّيِّهان , وأشباههم , اشتمل عليك من لا فقه له في الدين ولا رغبة في الجهاد , مثل الأشعث بن قيس وأصحابه واستنزلوك حتى ركنت إلى الدنيا , حين رُفعت لك المصاحف مكيدة فتسارع إليهم الذين استنزلوك , وكانت منا في ذلك هفوة ثم تداركنا الله منه برحمته , فحكَّمتَ في كتاب الله وفي نفسك , فكنت في شك من دينك وضلال عدوك وبغيه عليك , كلا والله يا ابن أبي طالب ,ولكنكم ** ظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا } وقلتَ : لي قرابة من الرسول وسابقة في الدين فلا يعدل الناس بي معاوية , فالآن فتب إلى الله وأقرّ بذنبك , فإن تفعل نكن يدك على عدوك , وإن أبيت ذلك فالله يحكم بيننا وبينك.
قالوا : وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فناداهم فقال : يا عباد الله أخرجوا إلينا طِلْبَتَنا , وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم , وانهضوا إلى عدوكم وعدونا معا, فإنكم ركبتم عظيما من الأمر , تشهدون علينا بالشرك ,والشرك ظلم عظيم , وتسفكون دماء المسلمين , وتعدّونهم مشركين ! . فقال له عبدالله بن شجرة السلمي : إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أبدا حتى تأتونا بمثل عمر . فقال : والله ما نعلم على الأرض مثل عمر إلا أن يكون صاحبنا.
وخطبهم أبوأيوب الأنصاري فقال : عباد الله , إنّا وإيّاكم على الحال الأولى التي كنا عليها , ليست بيننا وبينكم فرقة , فعلام تقاتلونا ؟ ...
ووعظهم علي مرارا , منها " ... فبيِّنوا لنا بماذا تستحلون قتالنا , والخروج من جماعتنا , إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم , ثم تَستعرضوا الناس , تضربون رقابهم , وتَسفكون دماءهم ! إنّ هذا لهو الخسران المبين . والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظُم عند الله قتلُها , فكيف بالنفس التي قتْلُها عند الله حرام! "
فتنادَوا : لا تخاطبوهم , ولا تكلّموهم , وتهيئوا للقاء الربّ , الرّواح الرّواح إلى الجنة !
فقال لهم علي : " يا قوم إنه قد غلب عليكم اللجاج والمراء واتّبعتم أهواءكم فطمح بكم تزيين الشيطان لكم وأنا أنذركم أن تصبحوا صرعى بأهضام هذا الغائط وأثناء هذا النهر " .
فلما لم يرعليّ عندهم انقيادا ـ وكان في أربعة عشر ألفا ـ عبّأ الناس وعبّأت الخوارج , ورفع عليٌّ راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري , فناداهم أبوأيوب : مَن جاء هذه الرّاية منكم ممّن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن , ومَن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمِن , إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قَتَلَة إخواننا منكم في سفك دمائكم .
فقال فروة بن نوفل الأشعجي : والله ما ندري على أي شيء نقاتل عليّا ؟ فانصرف في خمسمائة فارس, وخرجت طائفة منهم أخرى متفرقين فنزلت الكوفة , وأتى مسعر بن فدكي التميمي راية أبي أيوب الأنصاري في ألف , واعتزل عبدالله بن الحوساء ـ ويقال : ابن أبي الحوساء الطائي ـ في ثلاثمائة وخرج إلى عليّ منهم ثلاثمائة فأقاموا معه , وكانوا أربعة آلاف فارس ومعهم خلق من الرجّالة . واعتزل حوثرة بن وداع في ثلاثمائة [ وعند الطبري " 5/86 " : .. نحو من مائة ], واعتزل أبومريم السعدي في مائتين , واعتزل غيرهم , فكان الذي بقوا مع عبدالله بن وهب الراسبي ألفين وثمانمائة ,وزحفوا إلى علي .
وقال علي لأصحابه : كفوا عنهم حتى يبدأوكم . ونادى حمزة بن سنان الأسدي الخارجي : روحوا إلى الجنة , فقال ابن وهب : والله ما ندري أنروح إلى الجنة أم إلى النار وتَنادَى الحرورية : الرواح إلى الجنة معاشر المخبتين وأصحاب البرانس المصلين , فشَدُّوا على أصحاب عليّ شدة واحدة ,فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم , فافترقت خيل عليّ فرقتين : فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة . وأقبلوا نحو الرجالة فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل حتى كأنهم معزى تتقى المطر بقرونها , ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة , ونهض عليّ إليهم من القلب بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أُهمدوا في ساعة [ وعند ابن خلدون 3/640 " : فهلكوا كلهم في ساعة واحدة كأنما قيل لهم موتوا ] .
[ الحاشية : عن علقمة بن عامر قال: سئل عليّ عن أهل النهروان أمشركون هم ؟ فقال : من الشرك فروا , قيل أفمنافقون ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا , فقيل ما هم يا أمير المؤمنين ؟ قال : إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا .]وخرج عليٌّ في طلب ذي الثُّديّة , فوجدوه في حُفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلا , فلما استُخرج نظر إلى عَضُده , فإذا لحمٌ مجتمع على منكبه كثّدْي المرأة , له حَلَمة عليها شعرات سُود , فإذا مُدّتْ امتَدّتْ حتى تحاذى طول يده الأخرى , ثم تُترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة , فلما استُخرج قال عليٌّ : الله أكبر! والله ما كذبتُ ولا كُذِبت , أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل , لأخبرتُكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم , عارفا للحق الذي نحن عليه . ثم مرّ علي وهم صرعى فقال : بؤساً لكم ! لقد ضرّكم مَن غرّكم , فقالوا : يا أمير المؤمنين , مَن غرّهم ؟ قال : الشيطان ,وأنفسٌ بالسوء أمّارة , غرّتهم بالأماني , وزيّنت لهم المعاصي , ونبّأتهم أنهم ظاهرون .