درع اثنين
13 12 2006, 10:44 م
موضوع الخطبة / وإذ بوَّأنا لإبراهيم مكان البيت
والخطبة الثانية عن فضائل عشر ذي الحجة
أيها الناس: إنه وفي مثل هذه الأيام من كل عام ؛ فإن قلوب كثيرٍ من المسلمين لتكاد تفتَؤا تذكُرُ بلدا من البلدان في أرض الله.. إنَّ كثيرا من أهل الإيمان في مثل هذه الأيام ، لَتَسرحُ أفئدتهم وعقولهم لبلدٍ ليست ككل البلاد ، فهي كانت أرضا قاحلة ليس فيها الماء ولا الشجر ، بوادٍ غير ذي زرع ، ومع ذلك فإن قلوباً تكاد تطير شوقا إلى السفر إليها ولو أن يبيع كل ما يملك.
هي ـ أيها الكرام ـ ليست بلاد فسق وفساد ، ولا بلاد سياحة لحسن طبيعتها ، وروعة جمالها ، كلاَّ.. ولكنها تحمل شيئا أكبر من ذلك كلِّه ، وإنه وبمجرد أن يُذكر اسمها ـ صاحبُ الثلاثة أحرف ـ إلا ويزداد أُنسُ القلوب المؤمنة ، وتبتهج أساريرها..
(( مكة ))..(( إنَّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدا للعالمين * فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا * ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا ))آل عمران
فما هذا البيت ياترى..؟ وما سِرُّ تعلق المسلمين به..؟
ذلكم هو بيت الله العتيق ، الذي رفع قواعده إبراهيم خليل الرحمن وإبنه اسماعيل عليهما السلام..
أثرٌ خالد ، وبناء شامخ ، ورمزٌ للحنيفية السمحة ، وما برح هذا الصرح يطاول الزمان ، شامخ البنيان ، ثابت الأركان ، في منعة من الله وأمان..
جاء ابراهيم عليه السلام بهاجر وبإبنها إسماعيل ، وهي ترضعه ، حتى وضعها عند دوحةٍ بين جبال فاران ، فوق الزمزم ، وليس بمكة يومئذ أحد ، فوضعهما ، ووضع عندهما جِراباً فيه تمرٌ ، وسِقاء فيه ماء ، ثم قفَّى إبراهيم عليه السلام..!!
مضى منطلقاً ، فتبعته أم إسماعيل ، بقلب واجفٍ قلق ، فقالت: أين تذهب يا إبراهيم ؟ أين تذهب ، أتتركنا بهذا الوادي ، الذي ليس فيه إنسٌ ولاشيء ؟ ولا زالت تُكَرِّرُ عليه ذلك مراراً ، وجعل لا يلتفت إليها ..!! فقالت له بعد ذلك : آلله أمرك بهذا ؟؟ قال : نعم .. قالت ـ وبلسان الواثق بالله ، المتوكلة على الله ـ إذاً لا يضيعنا..!!
ما أعظمه من توكل ، وما أصدقه من لجوء على الحي القيوم ، لا ماء ولا طعام ، ولا أخ ولا أب حميم ، أرضٌ قيعان ، وجبال وهوام ، فمن يؤنِّسها إذا غاب الأمان ، ومن يؤمِّنها إذا احلولك عليها الظلام؟
كل هذه الصعاب وغيرها ذابت كما يذوب الملح في الماء عند أمر الله .. استجابة ما أروعها ، وانقيادٌ ما أسرعه ، وتوكل وامتثال ما أصدقه..
جلست.. جلست هذه المرأة المؤمنة ، هي وإبنها الرضيع ، جلست هذه المرأة الضعيفة في ذلك الوادي الموحش ، فتارةً هدوءٌ سيُقلقها ، وتارة غبار وترابٌ سيسفُّها ، وتارةً ظلام الليل سيلفها..
وأمَّا إبراهيم عليه السلام ، فقد كان يمشي خطوات ثقيلة ، يصارع معها ألم الفراق ، ومعانات ذلك الإبتلاء العظيم ، فما أعظمه ـ أيضاً ـ من صبر وتوكل ، مع إيمان راسخ كالجبال ، يحمله هذا النبي عليه السلام..(( إن إبراهيم كان أمَّة قانتا لله حنيفا ولم يكُ من المشريكين ))
مضى إبراهيم عليه السلام ، وقد خلَّفَ ورائه قرة عينه ، وفلذة كبده في العراء ، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، وقف عليه السلام بعيدا عنهم ، يقف وقوف الأب الحاني ، ويستقبل بوجهه البيت متضرعاً إلى ربه ويناجيه ، (( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرَّم * ربنا ليُقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ))
ذكر بن كثير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال: أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم والنصارى والناس كلهم ، ولكن قال: (( مِن الناس ))فاختص المسلمون..
ثم ذهب إبراهيم عليه السلام في طريقه ، وبعد ذلك جعلت أم إسماعيل تُرضِعُ ولدها ، وتَشرَبُ من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عَطِشت ، وعَطِشَ ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ويتلبط ، فانطلقت في ذلك الوادي وهي لا تلوي على شيء ، ولكن كراهية أن تنظر إلى إبنها ، فقامت على الصفا ثم استقبلت الوادي تنظُرُ ؛ هل ترى من أحداً ، فلم ترى أحداً ، ثم أتت المروة ، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم ترى أحداً ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلذلك سعى الناس بينهما )) فلمَّا أشرفت على المروة ؛ سمعت صوتا ، فقالت: صه ، ثم تسمَّعت ، فسمِعَت أيضاً ، فإذا هي بالملك عند موقع زمزم ، فبحث بعقبه ـ وقيل بطرف جناحه ـ حتى ظهر الماء ، فجعلت تخوضه بيدها ، فشربت وارتوت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة ، فإن هذا بيت الله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يُضَيِّعُ أهله ، ( البخاري ).
أيها المسلمون ـ عباد الله ـ يا من تستعجلون النصر والفرج ، هاهي هاجر تحكي لنا أُنموذجاً فريداً من نماذج الصبر وانتظار الفرج ، وانقشاع ألم الهمِّ والحَزَن ، وهي تتعرض للمحنة ، وتنتظر الفرج من ربِّ السماء ، فجاءها الفرج ، بدءاً بتفجُّرِ ماء زمزم ، ليكون إيذاناً ببدء حياة جميلة لهذه البقعة المباركة ، في هذه الأرض الموات ، بوادٍ غير ذي زرع ، ثم بعد ذلك إذا بأفئدة الناس تتهاوى إليها من كل فج عميق ، فإن مع السر يسرا ، إن مع العسر يسرا ، وصار إسماعيلُ الرضيعُ أمة كبيرة العدد ، عظيمة الغِناء ، ومن نسله صاحب الرسالة العظمى ، حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه..
وتمر الأيام ، فيأمُرُ الله إبراهيم عليه السلام ‘ أن يرفع قواعد هذا البيت فيقومُ إبراهيم ببنائه ، هو وابنه إسماعيل وهما يقولان: ((.. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ))البقرة127-129
فاستجاب الله دعاء أبي الأنبياء ، فهوت القلوب إلى هذا البيت ، وَرَزَقَ الله أهله من الثمرات ما كفاهم وأفاض على مَن سِواهم . وظل هذا البيت العتيق شامخا على مر الأزمان ، والدهور والأحقاب ، وعناية الله لا تزال تحفظ لهذا البيت حُرمته ، وتحيطه بالإجلال والإكبار ، ولا تزال قِصة الفيل شاهدةً على حُرمة هذا البيت العظيم ، ودليلاً على أنَّ من استعزَّ بغير الله ذَلْ ، ومن لجأ إلى غير الله ضَلْ..
ثم تتوالى الأيام والسنون ، إلى أن يأتي زمن خاتم الأنبياء ، وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وهو بين أهله وقومه فيحمل الحجر الأسودَ بيديه الكريمتين ليضعه في موضعه ، فيقضي بذلك نزاعا وفتنة كادت تنشبُ بين بطون قريش..
إخوة الإيمان.. وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم ، واشتداد أذى قريشٍ عليه ، أُذِنَ له بالهجرة إلى المدينة ، لتكون فاتحة الأمل ، وبارقة النصر ، كما قال تعالى: ((إنَّ الذي فرض عليك القرآن لرادُّكَ إلى معاد )) يعني إلى مكة: حكى ذلك البخاري والنسائي عن ابن عباس في تفسيرهما ، كما ساقه ابن كثير في تفسيره..
وبعد حياة طويلة ومريرة ، ملؤها الجهاد والصبر ، والتربية والتضحية ، يُتِمُّ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أمنيته ، برجوعه إلى بلده مكة..
فيعود إلى بيت الله ، ليُطَهِّرهُ مما عَلُقَ به عبر مر السنين ، من رجس الأوثان ، وطاعة الشيطان ، وليكون الدين كلُّه لله ، حنيفاً(( ملة أبيكم إبراهيم هو سمَّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس..))الحج78
فاستجاب الله بعد هذا كله لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام ، ولبَّى دعوته ، وآتاه مطلبه ؛ فقال: ((..أَوَلَم نمكن لهم حرما آمناً يُجبى إليه ثمراتُ كُلِّ شيء رزقا من لدنا..))القصص57
وقال: ((أولم يروا أنَّا جعلنا حرماً آمنا ويُتخَطَّفُ الناس من حولهم..)) العنكبوت67
فلنتأمل ـ أيها الإخوة الأكارم ـ إلى عظمة بيت الله الحرام ، وأهميته في قلوب المسلمين ، حتى بقي في ظل الإسلام المتين شامخا عزيزا ، يقصده كلُّ مسلمٍ دخل في الإسلام ، ملبين ومستجيبين ومذعنين للأذان الأول: (( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق..))الحج
فيأتونه الطائفين والقائمين ، والركع السجود ، يأتونه موحدين لا يشركون به شيئاً ، فدين الإسلام دين التوحيد والعقيدة ، وبيت الله بني لأجل التوحيد فحسب (( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألاَّ تشرك بي شيئا..)) الحج
ألا فليخلع كل واحدٍ منا ثيابًا اتسخت بشوائب الإشراك بالله ، وتعلقت بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، ولنلبس ثياب التوحيد الخالص حنفاء لله غير مشركين به...
*************
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين ، ثم كونوا على علمٍ ـ إخوة الإيمان ـ أنكم قاب قوسين أو أدنى ، من دخول العشر الأول من شهر ذي الحجة ، وهي أيامٌ مباركات ، روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها: ((ما من أيام هي أفضل ، العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني عشر ذي الحجة ـ فقالوا: يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله ؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ولم يرجع من ذلك بشيء ))
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عشر ذي الحجة هي المقصودة في قول الباري جل شأنه: (( والفجر * وليالٍ عشر )).
وقد قال ابن كثير: (( وبالجملة فهذه العشر قد قيل أنها أفضل أيام السنة ، كما نطق بذلك الحديث ، وفضله كثير على فضل عشر رمضان الأخير ، لأن هذا يُشرع فيه ما يُشرع في ذلك من صيام وصدقة وغيرها ، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه )).
إخوة الإيمان: إن الأعمال في هذه العشر تتنوع ما بين صوم وصدقة وتوبة نصوح ، وإكثار من التحميد والتهليل ، كما أن فيها الأضحية والحج... يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ما من أيام أعظم عند الله ، ولا أحب إليه العمل فيهنَّ من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد )) رواه أحمد.
فلنحرص على الإكثار من ذكر الله فيها ، بالتكبير في الطرقات ، والمساجد ، والبُيوت ، وهو التكبير المطلق ، والذي من صفاته: (( الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله والله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد )) وهكذا جاء عند البخاري أنَّ أبا هريرة وابن عمر رضي الله عنهما كانا ينزلان إلى السوق ، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما..
وقد ثبت عند أبي داود والنسائي: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ، ويوم عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر )). فلا حرج أن يُصام منها ما يُستطاع إن لم يكن كلها ، وبالأخص يوم عرفة ، لما له من الأجر العظيم كما جاء عند مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه ، قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن صوم يوم عرفة ؟ قال: (( يكفر السنة الماضية والباقية )).
كما أن السنة قد دلت ـ يا رعاكم الله ـ على أن من أراد أن يضحي ، وقد دخلت عليه العشر ، فلا يأخذ من شعره أو أظفاره أو بشرته شيئاً ، حتى يضحي ، كما جاء عند مسلم في صحيحه.
عباد الله : صِلوا الأرحام ، وأحسنوا إلى الوالدين ، والإخوان في هذه الأيام ، وأكثروا من الصدقات والإحسان إلى الفقراء ، وأكثروا في نهارها من تلاوة القرآن ، واعمروا لياليها بطلب علم ، أو قيام ليل تكونوا من الفائزين بإذن الله..
والخطبة الثانية عن فضائل عشر ذي الحجة
أيها الناس: إنه وفي مثل هذه الأيام من كل عام ؛ فإن قلوب كثيرٍ من المسلمين لتكاد تفتَؤا تذكُرُ بلدا من البلدان في أرض الله.. إنَّ كثيرا من أهل الإيمان في مثل هذه الأيام ، لَتَسرحُ أفئدتهم وعقولهم لبلدٍ ليست ككل البلاد ، فهي كانت أرضا قاحلة ليس فيها الماء ولا الشجر ، بوادٍ غير ذي زرع ، ومع ذلك فإن قلوباً تكاد تطير شوقا إلى السفر إليها ولو أن يبيع كل ما يملك.
هي ـ أيها الكرام ـ ليست بلاد فسق وفساد ، ولا بلاد سياحة لحسن طبيعتها ، وروعة جمالها ، كلاَّ.. ولكنها تحمل شيئا أكبر من ذلك كلِّه ، وإنه وبمجرد أن يُذكر اسمها ـ صاحبُ الثلاثة أحرف ـ إلا ويزداد أُنسُ القلوب المؤمنة ، وتبتهج أساريرها..
(( مكة ))..(( إنَّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدا للعالمين * فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا * ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا ))آل عمران
فما هذا البيت ياترى..؟ وما سِرُّ تعلق المسلمين به..؟
ذلكم هو بيت الله العتيق ، الذي رفع قواعده إبراهيم خليل الرحمن وإبنه اسماعيل عليهما السلام..
أثرٌ خالد ، وبناء شامخ ، ورمزٌ للحنيفية السمحة ، وما برح هذا الصرح يطاول الزمان ، شامخ البنيان ، ثابت الأركان ، في منعة من الله وأمان..
جاء ابراهيم عليه السلام بهاجر وبإبنها إسماعيل ، وهي ترضعه ، حتى وضعها عند دوحةٍ بين جبال فاران ، فوق الزمزم ، وليس بمكة يومئذ أحد ، فوضعهما ، ووضع عندهما جِراباً فيه تمرٌ ، وسِقاء فيه ماء ، ثم قفَّى إبراهيم عليه السلام..!!
مضى منطلقاً ، فتبعته أم إسماعيل ، بقلب واجفٍ قلق ، فقالت: أين تذهب يا إبراهيم ؟ أين تذهب ، أتتركنا بهذا الوادي ، الذي ليس فيه إنسٌ ولاشيء ؟ ولا زالت تُكَرِّرُ عليه ذلك مراراً ، وجعل لا يلتفت إليها ..!! فقالت له بعد ذلك : آلله أمرك بهذا ؟؟ قال : نعم .. قالت ـ وبلسان الواثق بالله ، المتوكلة على الله ـ إذاً لا يضيعنا..!!
ما أعظمه من توكل ، وما أصدقه من لجوء على الحي القيوم ، لا ماء ولا طعام ، ولا أخ ولا أب حميم ، أرضٌ قيعان ، وجبال وهوام ، فمن يؤنِّسها إذا غاب الأمان ، ومن يؤمِّنها إذا احلولك عليها الظلام؟
كل هذه الصعاب وغيرها ذابت كما يذوب الملح في الماء عند أمر الله .. استجابة ما أروعها ، وانقيادٌ ما أسرعه ، وتوكل وامتثال ما أصدقه..
جلست.. جلست هذه المرأة المؤمنة ، هي وإبنها الرضيع ، جلست هذه المرأة الضعيفة في ذلك الوادي الموحش ، فتارةً هدوءٌ سيُقلقها ، وتارة غبار وترابٌ سيسفُّها ، وتارةً ظلام الليل سيلفها..
وأمَّا إبراهيم عليه السلام ، فقد كان يمشي خطوات ثقيلة ، يصارع معها ألم الفراق ، ومعانات ذلك الإبتلاء العظيم ، فما أعظمه ـ أيضاً ـ من صبر وتوكل ، مع إيمان راسخ كالجبال ، يحمله هذا النبي عليه السلام..(( إن إبراهيم كان أمَّة قانتا لله حنيفا ولم يكُ من المشريكين ))
مضى إبراهيم عليه السلام ، وقد خلَّفَ ورائه قرة عينه ، وفلذة كبده في العراء ، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، وقف عليه السلام بعيدا عنهم ، يقف وقوف الأب الحاني ، ويستقبل بوجهه البيت متضرعاً إلى ربه ويناجيه ، (( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرَّم * ربنا ليُقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ))
ذكر بن كثير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال: أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم والنصارى والناس كلهم ، ولكن قال: (( مِن الناس ))فاختص المسلمون..
ثم ذهب إبراهيم عليه السلام في طريقه ، وبعد ذلك جعلت أم إسماعيل تُرضِعُ ولدها ، وتَشرَبُ من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عَطِشت ، وعَطِشَ ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ويتلبط ، فانطلقت في ذلك الوادي وهي لا تلوي على شيء ، ولكن كراهية أن تنظر إلى إبنها ، فقامت على الصفا ثم استقبلت الوادي تنظُرُ ؛ هل ترى من أحداً ، فلم ترى أحداً ، ثم أتت المروة ، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم ترى أحداً ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلذلك سعى الناس بينهما )) فلمَّا أشرفت على المروة ؛ سمعت صوتا ، فقالت: صه ، ثم تسمَّعت ، فسمِعَت أيضاً ، فإذا هي بالملك عند موقع زمزم ، فبحث بعقبه ـ وقيل بطرف جناحه ـ حتى ظهر الماء ، فجعلت تخوضه بيدها ، فشربت وارتوت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة ، فإن هذا بيت الله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يُضَيِّعُ أهله ، ( البخاري ).
أيها المسلمون ـ عباد الله ـ يا من تستعجلون النصر والفرج ، هاهي هاجر تحكي لنا أُنموذجاً فريداً من نماذج الصبر وانتظار الفرج ، وانقشاع ألم الهمِّ والحَزَن ، وهي تتعرض للمحنة ، وتنتظر الفرج من ربِّ السماء ، فجاءها الفرج ، بدءاً بتفجُّرِ ماء زمزم ، ليكون إيذاناً ببدء حياة جميلة لهذه البقعة المباركة ، في هذه الأرض الموات ، بوادٍ غير ذي زرع ، ثم بعد ذلك إذا بأفئدة الناس تتهاوى إليها من كل فج عميق ، فإن مع السر يسرا ، إن مع العسر يسرا ، وصار إسماعيلُ الرضيعُ أمة كبيرة العدد ، عظيمة الغِناء ، ومن نسله صاحب الرسالة العظمى ، حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه..
وتمر الأيام ، فيأمُرُ الله إبراهيم عليه السلام ‘ أن يرفع قواعد هذا البيت فيقومُ إبراهيم ببنائه ، هو وابنه إسماعيل وهما يقولان: ((.. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ))البقرة127-129
فاستجاب الله دعاء أبي الأنبياء ، فهوت القلوب إلى هذا البيت ، وَرَزَقَ الله أهله من الثمرات ما كفاهم وأفاض على مَن سِواهم . وظل هذا البيت العتيق شامخا على مر الأزمان ، والدهور والأحقاب ، وعناية الله لا تزال تحفظ لهذا البيت حُرمته ، وتحيطه بالإجلال والإكبار ، ولا تزال قِصة الفيل شاهدةً على حُرمة هذا البيت العظيم ، ودليلاً على أنَّ من استعزَّ بغير الله ذَلْ ، ومن لجأ إلى غير الله ضَلْ..
ثم تتوالى الأيام والسنون ، إلى أن يأتي زمن خاتم الأنبياء ، وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وهو بين أهله وقومه فيحمل الحجر الأسودَ بيديه الكريمتين ليضعه في موضعه ، فيقضي بذلك نزاعا وفتنة كادت تنشبُ بين بطون قريش..
إخوة الإيمان.. وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم ، واشتداد أذى قريشٍ عليه ، أُذِنَ له بالهجرة إلى المدينة ، لتكون فاتحة الأمل ، وبارقة النصر ، كما قال تعالى: ((إنَّ الذي فرض عليك القرآن لرادُّكَ إلى معاد )) يعني إلى مكة: حكى ذلك البخاري والنسائي عن ابن عباس في تفسيرهما ، كما ساقه ابن كثير في تفسيره..
وبعد حياة طويلة ومريرة ، ملؤها الجهاد والصبر ، والتربية والتضحية ، يُتِمُّ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أمنيته ، برجوعه إلى بلده مكة..
فيعود إلى بيت الله ، ليُطَهِّرهُ مما عَلُقَ به عبر مر السنين ، من رجس الأوثان ، وطاعة الشيطان ، وليكون الدين كلُّه لله ، حنيفاً(( ملة أبيكم إبراهيم هو سمَّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس..))الحج78
فاستجاب الله بعد هذا كله لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام ، ولبَّى دعوته ، وآتاه مطلبه ؛ فقال: ((..أَوَلَم نمكن لهم حرما آمناً يُجبى إليه ثمراتُ كُلِّ شيء رزقا من لدنا..))القصص57
وقال: ((أولم يروا أنَّا جعلنا حرماً آمنا ويُتخَطَّفُ الناس من حولهم..)) العنكبوت67
فلنتأمل ـ أيها الإخوة الأكارم ـ إلى عظمة بيت الله الحرام ، وأهميته في قلوب المسلمين ، حتى بقي في ظل الإسلام المتين شامخا عزيزا ، يقصده كلُّ مسلمٍ دخل في الإسلام ، ملبين ومستجيبين ومذعنين للأذان الأول: (( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق..))الحج
فيأتونه الطائفين والقائمين ، والركع السجود ، يأتونه موحدين لا يشركون به شيئاً ، فدين الإسلام دين التوحيد والعقيدة ، وبيت الله بني لأجل التوحيد فحسب (( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألاَّ تشرك بي شيئا..)) الحج
ألا فليخلع كل واحدٍ منا ثيابًا اتسخت بشوائب الإشراك بالله ، وتعلقت بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، ولنلبس ثياب التوحيد الخالص حنفاء لله غير مشركين به...
*************
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين ، ثم كونوا على علمٍ ـ إخوة الإيمان ـ أنكم قاب قوسين أو أدنى ، من دخول العشر الأول من شهر ذي الحجة ، وهي أيامٌ مباركات ، روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها: ((ما من أيام هي أفضل ، العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني عشر ذي الحجة ـ فقالوا: يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله ؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ولم يرجع من ذلك بشيء ))
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عشر ذي الحجة هي المقصودة في قول الباري جل شأنه: (( والفجر * وليالٍ عشر )).
وقد قال ابن كثير: (( وبالجملة فهذه العشر قد قيل أنها أفضل أيام السنة ، كما نطق بذلك الحديث ، وفضله كثير على فضل عشر رمضان الأخير ، لأن هذا يُشرع فيه ما يُشرع في ذلك من صيام وصدقة وغيرها ، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه )).
إخوة الإيمان: إن الأعمال في هذه العشر تتنوع ما بين صوم وصدقة وتوبة نصوح ، وإكثار من التحميد والتهليل ، كما أن فيها الأضحية والحج... يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ما من أيام أعظم عند الله ، ولا أحب إليه العمل فيهنَّ من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد )) رواه أحمد.
فلنحرص على الإكثار من ذكر الله فيها ، بالتكبير في الطرقات ، والمساجد ، والبُيوت ، وهو التكبير المطلق ، والذي من صفاته: (( الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله والله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد )) وهكذا جاء عند البخاري أنَّ أبا هريرة وابن عمر رضي الله عنهما كانا ينزلان إلى السوق ، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما..
وقد ثبت عند أبي داود والنسائي: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ، ويوم عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر )). فلا حرج أن يُصام منها ما يُستطاع إن لم يكن كلها ، وبالأخص يوم عرفة ، لما له من الأجر العظيم كما جاء عند مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه ، قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن صوم يوم عرفة ؟ قال: (( يكفر السنة الماضية والباقية )).
كما أن السنة قد دلت ـ يا رعاكم الله ـ على أن من أراد أن يضحي ، وقد دخلت عليه العشر ، فلا يأخذ من شعره أو أظفاره أو بشرته شيئاً ، حتى يضحي ، كما جاء عند مسلم في صحيحه.
عباد الله : صِلوا الأرحام ، وأحسنوا إلى الوالدين ، والإخوان في هذه الأيام ، وأكثروا من الصدقات والإحسان إلى الفقراء ، وأكثروا في نهارها من تلاوة القرآن ، واعمروا لياليها بطلب علم ، أو قيام ليل تكونوا من الفائزين بإذن الله..