مشاهدة نسخة كاملة : معاني العقيدة من خلال فريضة الحج
أنصار السلف
14 12 2006, 05:35 ص
http://almisk.net/images/esm.gif
معاني العقيدة من خلال فريضة الحج
قال ربنا تعالى في سورة الحج {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ **25} وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ **26} وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ **27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ **28} ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ **29} ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ **30} حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ **31} ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ **32} لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ **33} وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ **34} الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ **35} وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ **36} لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ{37}
الحمد لله ربنا جلّ في علاه ، ربنا الذي في السماء ، تقدس اسمه ، وتعالى جده ...
الحمد لله ان جعل لعباده مواسم الخير ومواسم التذكير ومواسم التوحيد ...
الحمد لله ربنا أنعم علينا بأكمل شرع وأحكم شرع وخاتم شرع سبحانه ربنا الحكيم العليم ...
هاقد أطلت أيام الحج وقربت مواسم الخير محطة وقود يعوض المسلم فيها مافقده ويتزود بما ينفعه ويعيد حساباته ويرتب أوراقه فكم من مسلم قد غفل وكم منهم من سها وكم منهم من حاد وكم منهم من انتكس وكم منهم من له حاجات لرب الأرض والسماوت وكم منهم من انتكبته الهموم والغموم ينتظر مفرج الكروب سبحانه وكم منهم قد عاف نفسه مما فيها من الذنوب والخطايا يود لو اخرج جلده ولبس غيره فسبحان من شرع لنا الحج ليعود كما خلقته أمه ..!!
الحمد لله أن ربطنا به ولم يربطنا بالبشر الضعفاء ..
الحمد لله أن علق قلوبنا به ولم يعلقها بفلان ولا علان ..
الحمد لله ربنا أن فرض علينا فريضة الحج يغسل المرء فيها قلبه ويعيد حساباته ويرتب أولوياته ويعوض مافته فالحمد لله حمدًا كما ينبغي لجلاله سبحانه ما حج حاج وطاف حول الكعبة طائف ..
وكم من حاج قد حج وعاد كما ذهب وظن ان الحج رمي حجر ولمس جدر ..!!
إن للحج مرامٍ عظيمة وأبعاد كبيرة كما قال سبحانه: ((ليشهدوا منافع لهم))[الحج: 28]، وفي هـذه الصفحات نورد جملة من معاني العقيدة ومسائل أصول الدين من خلال هذه الفريضة والمرجع في هذا كتاب آثار الحج ومقاصده بين الواقع والمطلوب ولم أقف على كاتب الموضوع مع قيمته العالية وموضوع معاني العقيدة من خلال فريضة الحج د. عبد العزيز آل عبد اللطيف ...
فنسأل الله ربنا القبول والتوفيق ...
يتبع ...
أنصار السلف
14 12 2006, 05:46 ص
أولاً
التسليم والانقياد لشرع الله تعالى
كم نحتاج ـ أخي القارئ ـ إلى ترويض عقولنا ونفوسنا كي تنقاد لشرع الله (تعالى) بكل تسليم وخضوع ، كما قال (سبحانه): ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً))[النساء: 65].
فالحج خير مثال لتحقيق هذا التسليم ، فإنّ تنقل الحجاج بين المشاعر ، وطوافهم حول البيت العتيق ، وتقبيلهم للحجر الأسود ، ورمي الجمار... وغيره كثير: كل ذلك أمثلة حية لتحقيق هذا الانقياد لشرع الله (تعالى) ، وقبول حكم الله (عز وجل) بكل انشراح صدر ، وطمأنينة قلب.
لقد دعا إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل (عليهما الصلاة والسلام) فقالا: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))[البقرة: 128].
لقد دعوا لنفسيهما ، وذريتهما بالإسلام ، الذي حقيقته خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح.
ورضي الله عن الفاروق عمر إذ يقول عن الحجر الأسود: »إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك« (1).
يقول الحافظ ابن حجر: » وفي قول عمر هذا التسليم للشارع فـي أمور الدين ، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها ، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه« (2).
ويقول قوام السنة إسماعيل الأصفهاني (رحمه الله): «ومن مذهب أهل السنة: أن كل ما سمعه المرء من الآثار(3) مما لم يبلغه عقله ، فعليه التسليم والتصديق والتفويض والرضا ، لا يتصرف في شيء منها برأيه وهواه « (4).
يقول ابن القيم (رحمه الله): »إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ، ولهذا لم يحك الله (سبحانه) عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء ، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما، ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، بل انقادتْ، وسلمتْ، وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها بسبب عدم معرفته ، وقد كانت هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها لِمَ أمر الله بذلك؟ ولِمَ نهى عـن ذلك؟ ولِمَ فعل ذلك؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام« (5).
الهوامش :
(1) أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب تقبيل الحجر.
(2) فتح الباري ، جـ3ص463.
(3) أي: الآثار الصحيحة.
(4) الحجةفي بيان المحجة ، جـ2 ص435.
(5) الصواعق المرسلة ، م4 ، ص1560 ، 1561.
يتبع ...
أنصار السلف
14 12 2006, 05:59 ص
ثانياً
إقامة التوحيد
إن هذه الشعيرة العظيمة قائمة على تجريد التوحيد لله وحده لا شريك له؛ قال (سبحانه): ((وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ))[الحج: 26].
وحذر (سبحانه) من الشرك ونجاسته ، فقال (عز وجل): ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ )) [الحج: 3031].
بل من أجل تحقيق التوحيد لله وحده ، والكفر بالطاغوت ، شُرع للحاج أن يستهل حجه بالتلبية قائلاً:
» لبيك اللهم لبيك ،
لبيك لا شريك لك لبيك ،
إن الحمد والنعمة لك والملك ،
لا شريك لك «.
فالحج شعار التوحيد من أول لحظة يتلبس به الحاج : قال جابر بن عبد الله : " ثم أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك " رواه مسلم،
وقال أنس في وصفه لإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لبيك عمرة لا رياء فيها ولا سمعة "
في الحج تربية النفس على توحيد الله والإخلاص له.
فإن الحاج يبدأ حجه بالتوحيد،
ولا يزال يلبي بالتوحيد،
وينتقل من عمل إلى عمل بالتوحيد.
ومن أجل تحقيق التوحيد شُرع للحاج أن يقرأ في ركعتي الطواف ـ بعد الفاتحة ـ بسورتي الإخلاص (قل هو الله أحد) ، و(قل يا أيها الكافرون) ، كما كان يفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- .
كما شَرعَ الله (تعالى) التهليل عند صعود الصفا والمروة ، فيستحب للحاج والمعتمر أن يستقبل القبلة ـ عند صعوده الصفا والمروة ـ ويحمد الله ويكبره ويقول: »لا إله إلا الله، والله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده«.
ومن أجل تحقيق التوحيد أيضاً كان خير دعاء يوم عرفة أن يقال: »لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحي ويميت ، وهو على كل شيء قدير«.
وفي مناسك الحج وشعائره تربيةٌ للأمة على إفراد الله (سبحانه) بالدعاء والسـؤال والطلب ، والرغبة إليه ، والاعتماد عليه ، والاستغناء عن الناس ، والتعفف عن سؤالهم، والافتقار إليهم؛ فالدعاء مشروع في الطواف والسعي ، وأثناء الوقوف بعرفة ، وعند المشعر الحرام ، وفي مزدلفة، كما يشرع الدعاء وإطالته بعد الفراغ من رمي الجمرة الصغرى والوسطى في أيام التشريق.
يتبع ..
أنصار السلف
15 12 2006, 05:26 ص
ثالثاً
تعظيم شعائر الله (تعالى) وحرماته
قال الله (تعالى) ـ بعد أن ذكر أحكاماً عن الحج ـ: ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ))[الحج: 30].
قال السعدي رحمه الله : " وحرمات الله: كل ماله حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العبادبالقيام بها،فتعظيمها إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل "
وقـال (سـبحانه): ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج: 32]
قال السعدي رحمه الله : " والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها،كما قال تعالى: ** إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } ومنها الهدايا والقربان للبيت، .... ، فتعظيم شعائرالله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه،لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله" .
وقال ابن كثير رحمه الله : " وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة, وكان المسلمون يسمنون, رواه البخاري,
وقال الضحاك عن ابن عباس البدن من شعائر الله.
وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرميوالحلق والبدن من شعائر الله.
وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت".
فتعظيم مناسك الحج عموماً من تقوى القلوب (7).
وتعظيم شعائر الله (تعالى) يكون بإجلالها بالقلب ومحبتها ، وتكميل العبودية فيها؛
يقول ابن القيم (رحمه الله): »وروح العبادة هو الإجلال والمحبة ، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت« (8).
ورد في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: »لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة [يعني: الكعبة] حق تعظيمها ، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا« (9)
الهوامش:
(6) انظر: تفسير ابن عطية ، جـ4 ص120.
(7) انظر: تفسير الطبري ، جـ17 ص157.
(8) مدارج السالكين ، جـ1 ص495.
(9) أخرجه ابن ماجة: كتاب المناسك ، باب فضل مكة ،
يتبع ...
أنصار السلف
15 12 2006, 08:32 ص
رابعاً
محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم-
إن محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أجل أعمال القلوب ، وأفضل شعب الإيمان،
ومحبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- توجب متابعته والتزام هديه ،
وإن التأسي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء القيام بمناسك الحج سبب في نيل محبته ، حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: »خذوا عني مناسـككم« ، وفي اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- تحقيق لمحبة الله (تعالى)؛ كما قال (سبحانه): ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ))[ آل عمران: 31].
أنصار السلف
15 12 2006, 08:34 ص
خامسًا
الارتباط بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومحبتهم
ومن مقاصد الحج الارتباط بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن أبينا إبراهيم وبناءه للبيت إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لحرمة مكة، فيتذكر الحاج حين تردده في المشاعر وأداءه للشعائر تردد أولئك المطهرين في هذه البقاع الشريفة. فيرتبط في ذهنه سيرهم ويتجذر في قلبه الاقتداء بهم.
روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعَرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي قَالَ ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَالَ أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ قَالُوا هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ فَقَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا ".
أنصار السلف
18 12 2006, 03:16 ص
سادسًا
التلبية والتعلق بالله محبة وتعظيما
لَبّيْكَ اللّهُمّ لَبّيْكَ.
لَبّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبّيْكَ.
إِنّ الْحَمْدَ وَالنّعْمَةَ لَكَ، وَالمُلْكَ
لاَ شَرِيكَ لَكَ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
(حاشية ابن القيم على سنن أبي داواد)
في معنى التلبية ثمانية أقوال
أحدهما
إجابة لك بعد إجابة ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانا بتكرير الإجابة.
الثاني
أنه انقياد من قولهم لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه ومنه لببته بردائه والمعنى انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لبب بردائه وقبض على تلابيبه.
الثالث
أنه من لب بالمكان، إذا قام به ولزمه. والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب الصحاح.
الرابع
أنه من قولهم: داري تلب دارك، أي تواجهها وتقابلها، أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك. حكاه في الصحاح عن الخليل.
الخامس
معناه حباً لك بعد حب، من قولهم. امرأة لبة، إذا كانت محبة لولدها.
السادس
أنه مأخوذ من لب الشيء، وهو خالصه، ومنه لب الطعام، ولب الرجل عقله وقلبه. ومعناه: أخلصت لي وقلبي لك، وجعلت لك لبي وخالصتي.
السابع
أنه من قولهم: فلان رخي اللبب، وفي لب رخي، أي في حال واسعة منشرح الصدر. ومعناه: أنا منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها، متوجه إليك بلبب رخي، يوجد المحب إلى محبوبه، لا بكره ولا تكلف.
الثامن
أنه من الإلباب، وهو الاقتراب، أي اقتراباً إليك بعد اقتراب، كما يتقرب المحب من محبوبه.
وقد اشتملت كلمات التلبية
على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:
إحداها: أن قولك "لبيك" يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.
الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة، أي محبة لولدها.
الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل: هي من الإقامة، أي أنا مقيم على طاعتك.
الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل، أي خضوعاً بعد خضوع، من قولهم. أنا ملب بين يديك، أي خاضع ذليل.
الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص، ولهذا قيل. إنها من اللب، وهو الخالص.
السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه.
السابعة: أنها تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل. إنها من الإلباب، وهو التقرب.
الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعاراً لانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة سبعاً، للانتقال من ركن إلى ركن، ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة. فيقطعها فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: "لبيك اللهم لبيك" كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن "الله أكبر" فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلي قاطعاً لتكبيره.
التاسعة: أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.
العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له.
الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله، واول من يدعي إلى الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.
الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك، وانت موليها والمنعم بها.
الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده، فلا ملك على الحقيقة لغيره.
الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك.
الخامسة عشرة: في "إن" وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمنت معنى التعليل، أي لبيك الحمد والنعمة لك، ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على الله، والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها، وأما إذا فتحت فإنها بلام التعليل المحذوفة معها قياساً، والمعنى لبيك لأن الحمد لك والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها، ولهذا قال ثعلب: من قال "إن" بالكسر فقد عم، ومن قال: "أن" بالفتح فقد خص. ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} كسر "إن" وفتحها. فمن فتح كان المعنى: "ندعوه لأنه هو البر الرحيم" ومن كسر كان الكلام جملتين، إحدهما قوله "ندعوه"، ثم استأنف فقال "إنه هو البر الرحيم، قال أبو عبيد": والكسر أحسن، ورجحه بما ذكرناه.
السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عزوجل، وهذا نوع اخر من الثناء عليه، غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية، فله سبحانه من أوصافه العلي نوعا ثناء، نوع متعلق بكل صفة على انفرادها، ونوع متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال، والله سبحانه يفرق في صفاته بين الملك والحمد، وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالاَخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال، والحمد كمال واقتران أحدهما بالاَخر كمال، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته، كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله، وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه، والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم، كقوله: {فإن ربي غني كريم} فله كمال من غناه وكرمه، ومن اقتران أحدهما بالاَخر.
ونظيره اقتران العزة بالرحمة: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
ونظيره اقتران العفو بالقدرة: {وكان الله عفواً قديراً}.
ونظيره اقتران العلم بالحلم: {والله عليم حليم}.
ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: {والله قدير والله غفور رحيم}.
وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات، ويفتح له باب محبة الله ومعرفته، والله المستعان وعليه التكلان.
السابعة عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها، وقوله: "وهو على كل شيء قدير" لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية "لا شريك لك". ولك أن تدخلها تحت قولك "إن الحمد والنعمة لك"، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى، إذ لو كان بعض الموجودات خارجاً عن قدرته وملكه، واقعاً بخلق غيره، لم يكن نفي الشريك عاما، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما، وهذا من أعظم المحال، والملك كله له، والحمد كله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه.
الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده، فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم. ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد، فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده، ومبطلة لقول مجوس الأمة لقدرية الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عبادة من الملائكة والجن والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقاً لها. فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه، إذ من لا قدرة له على الشيء كيف يكون هذا الشيء داخلا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملك كله لله، ولم يجعلوه على كل شيء قدير، وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء البتة، فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة.
التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر، وهو قوله "إن الحمد والنعمة لك والملك" ولم يقل إن الحمد والنعمة لك والملك ـ لطيفة بديعة، وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين، فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك لك، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله "لك" ثم عطف الملك، كان تقديره، والملك لك. فيكون مساوياً لقوله "له الملك وله الحمد، ولم يقل الملك والحمد، وفائدته تكرار الحمد في الثناء.
العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخير، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للاَخر، فالإنعام والحمد قرينان.
الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة وهي أنه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله لبيك، ثم أعادها عقب قوله "إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وذلك يتضمن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة الملك، والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم} فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الاَية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم، وهذا هو المشهو به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط.
يتبع ...