القريب
08 12 2007, 12:24 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
قال تعالى
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
وعن ابن عباس قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس كتب عليكم
الحج فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام فقال لو قلتها لوجبت ولم تعملوا بها ولم
تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فما زاد فهو تطوع .
أيها المسلمون الحج عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين وهو خامس
الأركان ومن أفضل الطاعات وأجل القربات الموصلة إلى جنة عرضها الأرض والسموات
أوجبه الله في العمر مرة على كل مسلم بالغ عاقل حر قادر مستطيع قال صلى الله عليه
وسلم تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له . فمن توفرت له الوسائل لأداء
المناسك وقصر وتكاسل كان من الخير محروما، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل إن عبدا أصححت جسمه وأوسعت عليه
في الرزق لايفد إليّ في كل خمسة أعوام لمحروم .
أحبتي في الله إن الحج غذاء إيماني ومدد رباني يشهده الحجاج في رحلتهم المباركة
فيجدون حلاوة الإيمان ويستشعرون لذة الطاعة ويتذوقون طعم المناجاة إذ استجابوا
لنداء إلهي عظيم وجّهه الله لجموع المسلمين لحضور المؤتمر الإسلامي السنوي العام
ليتعاونوا وينسقوا فيما بينهم وليبحثوا مع بعضهم الطوارئ التي طرأت عليهم والمحن
التي يتعرضون لها فيجدون في اجتماعهم قوة لهم ووحدة إسلامية طالما غابت عن
أذهانهم إذ يلتقون عند محورهم الذي يشدهم إليه وقبلته الكعبة المشرفة التي يجدون
رايتهم عندها راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فتذوب الفوارق المصطنعة والحواجز
الوهمية جنسية كانت أو طبقية أو مادية أو اجتماعية أو عرقية فإذا حان وقت الصلاة
اصطف غنيهم ملاصقا لفقيرهم وأبيضهم محاذيا لأسودهم وعربهم مع عجمهم ملتفين
حول الكعبة في مشهد رائع بديع فيستشعرون قوة الجماعة وروعة الوحدة ويتذكرون
وقوفهم بين يدي الله تعالى فتصغر الدنيا في نظرهم فإذا شرعوا في الطواف تذكروا البيت
المعمور المقابل للكعبة في السماء الذي يدخل إليه كل يوم سبعون ألف ملك لا يخرجون
إلى أن تقوم الساعة فيستصغرون أنفسهم أمام عظيم خلق الله فإذا استلموا الحجر الأسود
اقتداءا بنبيهم صلى الله عليه وسلم تذكروا أنهم بايعوا الله على السمع والطاعة وإذا مروا
بجوار الملتزم تذكروا قرب المحب لحبيبه رب العالمين وتذكروا لجوء المذنب وقد اعترف
بجرمه لسيده راجيا العفو والمغفرة وعند مقام إبراهيم تمر ذكرى رائعة ذكرى الخليل
إبراهيم وابنه إسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت وإذا وصلوا إلى الصفا والمروة
تذكروا هاجر أم إسماعيل عليه السلام وهي تسعى بين الصفا والمروة بحثا عن الماء
لولدها في تلك الحرّة الملتهبة حتى إذا بلغت الشوط السابع عادت لتجد ماء زمزم وقد
نبع من تلك الصحراء القاحلة فيا لقدرة الله , وعند سعيهم بين الصفا والمروة تذكروا
الموقف في عرصات القيامة وسعي الخلائق في ذلك اليوم العصيب بحثا عن حسنة
تسعفهم ليدخلوا الجنة فإذا صعدوا إلى جبل عرفات وهم في لباس موحد مرددين نداءً
خالدا موحدا لا يهتفون لمخلوق لا لإنس ولا لجن ولا لكبير ولا لغني بل خالصا لله رب
العالمين لبيك الله لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
فيا لهنائهم ويا لسعادتهم ويا لروعة المشهد ويا لجمال القلوب المؤمنة في ذلك الوقت
التي ترجو رحمة الله وإذا رأوا ازدحام الخلائق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم تذكروا
يوم القيامة في المحشر والعرض على الله وكل مرتهن بعمله وهو غني عما ترك في
الدنيا من أموال وممتلكات وتجارات ، فقير إلى ما قدم من طاعة لله فيتخيلون تلك
اللحظات العصيبة ويحمدون الله أن مدّ الله في أعمارهم ليعودوا إلى الله تائبين مخبتين
مخلصين معاهدين الله أن يرجعوا إلى ديارهم وقد تغيرت نفوسهم تاركين حياة اللهو
والعبث والذنوب والمعاصي فتسمو أرواحهم في ساعةٍ تصعد فيها الدعوات إلى الله من
قلوب مخلصة لا تبغي رياءً ولا سمعة ويضج صعيد عرفات وتختلط الأصوات بالدعوات
والأنّات والزفرات والحسرات والدمعات والندم على ما مضى وفات من العمر بعيدا عن
فاطر الأرض والسموات فينزل الله عز وجل ّ إلى السماء الدنيا فيباهي الملائكة ويقول
(هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم
يروني فكيف لو رأوني ثم يقول يا ملا ئكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم ) فيندحر إبليس
لعنه الله ويولّي مطأطئ الرأس مخذولا لكثرة ما يعتق الله من خلقه يوم عرفة فإذا رموا
الجمار قاصدين الامتثال لأمر الله ورسوله مظهرين الرق والعبودية متذكرين يوم تعرض
إبليس في هذه البقعة لإبراهيم عليه السلام وحاول جاهدا أن يصده عن الامتثال لأمر الله
ولكن إبراهيم عليه السلام لم يتردد السلام بالتضحية بولده وفلذة كبده إرضاءً لله رب
العالمين وكذا موقف هاجر وإسماعيل عليه السلام وهو يمتثل أمر الله جل جلاله مع أن
الأمر كان سينهي حياته فكان جواب الابن الصابر المحتسب المطيع لله يا أبت افعل ما
تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فمن استشعر هذه المعاني العظيمة للحج وأدّاه
على الوجه الذي شرعه الله ورسوله وأخلص نيته لله استحق أن يرجع من ذنوبه كيوم
ولدته أمه كما بشّر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال ( من حج فلم يرفث ولم
يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه ) متفق عليه
فمن أراد أن يحصل على هذا الضمان الرباني أحبتي في الله فعليه بالاستعداد والتهيئة قبل
الذهاب للحج فيخلص نيته لله ويتوب توبة صادقة نصوح ويرد المظالم لأهلها ويؤدي
الحقوق لأصحابها ويقضي ديونه المستعجلة ويعد النفقة لأهله ومن تلزمه نفقتهم إلى
حين رجوعه ويتحرى المال الحلال فالله طيب لايقبل إلاّ طيبا ثم يلتمس رفقة صالحة محبة
للخير معينة عليه ولا يسعى ليصحب من يسمر ويلهو ويعبث معهم فتكون رحلته للحج
نزهة وترفيها لا طاعة وإنابة وأن يتواضع في حجه ويجتهد في أن يطيب الكلام ويفشي
السلام ويطعم الطعام ويكثر من الإنفاق فإن النفقة في الحج مباركة ومضاعفة الأجر عن
بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( النفقة في الحج كالنفقة في
سبيل الله بسبعمائة ضعف وينبغي للحاج أن يكون ليّن الجانب خفيض الجناح لحجاج بيت
الله الحرام ويتحمل الأذى وأن يكون صابرا محتسبا داعيا للتآلف والتآزر والتعاون ذاكراً
الله في كل أحواله وأوقاته (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو
أشدّ ذكرا ) واعلموا أن الله يبارك للحاج في أهله وماله فعن ابن مسعود رضي الله عنه
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر
والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة جزاء إلاّ
الجنة ) لما عزم حاتم الأصم رضي الله عنه وهو أحد التابعين على الحج فتهيأ وأعدّ
النفقة اللازمة له ولأهله ولما عزم على الرحيل قالت له زوجته يا حاتم أخشى
أن تتاخر في رحلتك وتنتهي النفقة التي أعطيتنا إياها فماذا عسانا نفعل في
غيابك فقالت له ابنته وكانت في التاسعة من عمرها وقد أنار الله بصيرتها
ففهمت مالم يفهمه الكبار يا أبت توكل على الله وبادر إلى الحج فإن الرزاق
حيّ ولن يضيعنا الله أبدا وبعد أن ذهب عرض له أمر اضطر بسببه أن يتأخر
في مكة وأوشك طعام أهله على النفاد والنفقة شحت عندهم ولم يأت أبوهم بعد
وبدءوا يلومون الفتاة الصغيرة ويقولون لها ها هو أبونا تأخر وطعامنا يوشك
أن ينتهي وأنت السبب فقد شجعتيه على الذهاب ولم تفكري في مانحن فيه
الآن وشتان بين البصر والبصيرة وبين عقولهم وتفكيرها وبين إيمانهم
وإيمانها وأمام هذا الضغط الأسري الذي كثيرا ما يتعرض له الدعاة العاملون
فماذا تفعل الفتاة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها انتظرت حتى جن الليل
وخلا كل أنيس بأنيسه وخلت بخالقها الذي وثقت به وتوكلت عليه توضأت
وصفت في محرابها واتجهت إلى الله في جوف الليل وناجت ربها في تضرع
وخضوع وخشوع لسان حالها
سهام الليل لا تخطي ولكن ......... لها أمد وللأمد انقضاء
وألحت على الله ألاّ يخزيها أمام أهلها وهي التي وثقت به وأفاقوا في اليوم
التالي على صوت يقرع الباب فإذا هو رجل يطلب ماءا فأعطوه فكان هذا
الرجل هو حاجب الأمير فشرب الأمير من الإناء وشعر بلذة الماء البارد في
اليوم الحار فأخرج صرة مملوءة بالذهب ووضعها في الإناء وقال من أحبني
فليصنع مثلي وأخرج الوزراء صررا مملوءة بالذهب ووضعوها في الإناء
ودفعوا الإناء إلى أهل بيت حاتم الأصم فلما رأت الفتاة الإناء ممتلئا بالذهب
بكت فقال لها أهلها ما يبكيك وقد أعطانا الأمير ذهبا فقالت لقد نظر إلينا
مخلوق فاغتنينا فكيف لو نظر إلينا الخالق ؟
هذه بعض نفحات الحج أحبتي في الله .
فاتقوا الله وسارعوا إن استطعتم إلى بيت الله الحرام واغتنموا فضل الله تعالى عليكم
وليؤدّ كل مستطيع منكم فريضة الحج قبل أن يعيقه عائق (الحج أشهر معلومات فمن
فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب
واعلموا أنه من أراد الحج فعليه أن يتعلم كيفيته وأحكامه وآدابه وما يحرم
وما يحل وما يسن حتى لا يقع في محظور يفسد حجه ولكي يتحقق له الحج
المبرور متأسيا في ذلك بقدوته صلى الله عليه وسلم القائل خذوا عني مناسككم ....
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
قال تعالى
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
وعن ابن عباس قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس كتب عليكم
الحج فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام فقال لو قلتها لوجبت ولم تعملوا بها ولم
تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فما زاد فهو تطوع .
أيها المسلمون الحج عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين وهو خامس
الأركان ومن أفضل الطاعات وأجل القربات الموصلة إلى جنة عرضها الأرض والسموات
أوجبه الله في العمر مرة على كل مسلم بالغ عاقل حر قادر مستطيع قال صلى الله عليه
وسلم تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له . فمن توفرت له الوسائل لأداء
المناسك وقصر وتكاسل كان من الخير محروما، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل إن عبدا أصححت جسمه وأوسعت عليه
في الرزق لايفد إليّ في كل خمسة أعوام لمحروم .
أحبتي في الله إن الحج غذاء إيماني ومدد رباني يشهده الحجاج في رحلتهم المباركة
فيجدون حلاوة الإيمان ويستشعرون لذة الطاعة ويتذوقون طعم المناجاة إذ استجابوا
لنداء إلهي عظيم وجّهه الله لجموع المسلمين لحضور المؤتمر الإسلامي السنوي العام
ليتعاونوا وينسقوا فيما بينهم وليبحثوا مع بعضهم الطوارئ التي طرأت عليهم والمحن
التي يتعرضون لها فيجدون في اجتماعهم قوة لهم ووحدة إسلامية طالما غابت عن
أذهانهم إذ يلتقون عند محورهم الذي يشدهم إليه وقبلته الكعبة المشرفة التي يجدون
رايتهم عندها راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فتذوب الفوارق المصطنعة والحواجز
الوهمية جنسية كانت أو طبقية أو مادية أو اجتماعية أو عرقية فإذا حان وقت الصلاة
اصطف غنيهم ملاصقا لفقيرهم وأبيضهم محاذيا لأسودهم وعربهم مع عجمهم ملتفين
حول الكعبة في مشهد رائع بديع فيستشعرون قوة الجماعة وروعة الوحدة ويتذكرون
وقوفهم بين يدي الله تعالى فتصغر الدنيا في نظرهم فإذا شرعوا في الطواف تذكروا البيت
المعمور المقابل للكعبة في السماء الذي يدخل إليه كل يوم سبعون ألف ملك لا يخرجون
إلى أن تقوم الساعة فيستصغرون أنفسهم أمام عظيم خلق الله فإذا استلموا الحجر الأسود
اقتداءا بنبيهم صلى الله عليه وسلم تذكروا أنهم بايعوا الله على السمع والطاعة وإذا مروا
بجوار الملتزم تذكروا قرب المحب لحبيبه رب العالمين وتذكروا لجوء المذنب وقد اعترف
بجرمه لسيده راجيا العفو والمغفرة وعند مقام إبراهيم تمر ذكرى رائعة ذكرى الخليل
إبراهيم وابنه إسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت وإذا وصلوا إلى الصفا والمروة
تذكروا هاجر أم إسماعيل عليه السلام وهي تسعى بين الصفا والمروة بحثا عن الماء
لولدها في تلك الحرّة الملتهبة حتى إذا بلغت الشوط السابع عادت لتجد ماء زمزم وقد
نبع من تلك الصحراء القاحلة فيا لقدرة الله , وعند سعيهم بين الصفا والمروة تذكروا
الموقف في عرصات القيامة وسعي الخلائق في ذلك اليوم العصيب بحثا عن حسنة
تسعفهم ليدخلوا الجنة فإذا صعدوا إلى جبل عرفات وهم في لباس موحد مرددين نداءً
خالدا موحدا لا يهتفون لمخلوق لا لإنس ولا لجن ولا لكبير ولا لغني بل خالصا لله رب
العالمين لبيك الله لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
فيا لهنائهم ويا لسعادتهم ويا لروعة المشهد ويا لجمال القلوب المؤمنة في ذلك الوقت
التي ترجو رحمة الله وإذا رأوا ازدحام الخلائق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم تذكروا
يوم القيامة في المحشر والعرض على الله وكل مرتهن بعمله وهو غني عما ترك في
الدنيا من أموال وممتلكات وتجارات ، فقير إلى ما قدم من طاعة لله فيتخيلون تلك
اللحظات العصيبة ويحمدون الله أن مدّ الله في أعمارهم ليعودوا إلى الله تائبين مخبتين
مخلصين معاهدين الله أن يرجعوا إلى ديارهم وقد تغيرت نفوسهم تاركين حياة اللهو
والعبث والذنوب والمعاصي فتسمو أرواحهم في ساعةٍ تصعد فيها الدعوات إلى الله من
قلوب مخلصة لا تبغي رياءً ولا سمعة ويضج صعيد عرفات وتختلط الأصوات بالدعوات
والأنّات والزفرات والحسرات والدمعات والندم على ما مضى وفات من العمر بعيدا عن
فاطر الأرض والسموات فينزل الله عز وجل ّ إلى السماء الدنيا فيباهي الملائكة ويقول
(هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم
يروني فكيف لو رأوني ثم يقول يا ملا ئكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم ) فيندحر إبليس
لعنه الله ويولّي مطأطئ الرأس مخذولا لكثرة ما يعتق الله من خلقه يوم عرفة فإذا رموا
الجمار قاصدين الامتثال لأمر الله ورسوله مظهرين الرق والعبودية متذكرين يوم تعرض
إبليس في هذه البقعة لإبراهيم عليه السلام وحاول جاهدا أن يصده عن الامتثال لأمر الله
ولكن إبراهيم عليه السلام لم يتردد السلام بالتضحية بولده وفلذة كبده إرضاءً لله رب
العالمين وكذا موقف هاجر وإسماعيل عليه السلام وهو يمتثل أمر الله جل جلاله مع أن
الأمر كان سينهي حياته فكان جواب الابن الصابر المحتسب المطيع لله يا أبت افعل ما
تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فمن استشعر هذه المعاني العظيمة للحج وأدّاه
على الوجه الذي شرعه الله ورسوله وأخلص نيته لله استحق أن يرجع من ذنوبه كيوم
ولدته أمه كما بشّر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال ( من حج فلم يرفث ولم
يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه ) متفق عليه
فمن أراد أن يحصل على هذا الضمان الرباني أحبتي في الله فعليه بالاستعداد والتهيئة قبل
الذهاب للحج فيخلص نيته لله ويتوب توبة صادقة نصوح ويرد المظالم لأهلها ويؤدي
الحقوق لأصحابها ويقضي ديونه المستعجلة ويعد النفقة لأهله ومن تلزمه نفقتهم إلى
حين رجوعه ويتحرى المال الحلال فالله طيب لايقبل إلاّ طيبا ثم يلتمس رفقة صالحة محبة
للخير معينة عليه ولا يسعى ليصحب من يسمر ويلهو ويعبث معهم فتكون رحلته للحج
نزهة وترفيها لا طاعة وإنابة وأن يتواضع في حجه ويجتهد في أن يطيب الكلام ويفشي
السلام ويطعم الطعام ويكثر من الإنفاق فإن النفقة في الحج مباركة ومضاعفة الأجر عن
بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( النفقة في الحج كالنفقة في
سبيل الله بسبعمائة ضعف وينبغي للحاج أن يكون ليّن الجانب خفيض الجناح لحجاج بيت
الله الحرام ويتحمل الأذى وأن يكون صابرا محتسبا داعيا للتآلف والتآزر والتعاون ذاكراً
الله في كل أحواله وأوقاته (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو
أشدّ ذكرا ) واعلموا أن الله يبارك للحاج في أهله وماله فعن ابن مسعود رضي الله عنه
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر
والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة جزاء إلاّ
الجنة ) لما عزم حاتم الأصم رضي الله عنه وهو أحد التابعين على الحج فتهيأ وأعدّ
النفقة اللازمة له ولأهله ولما عزم على الرحيل قالت له زوجته يا حاتم أخشى
أن تتاخر في رحلتك وتنتهي النفقة التي أعطيتنا إياها فماذا عسانا نفعل في
غيابك فقالت له ابنته وكانت في التاسعة من عمرها وقد أنار الله بصيرتها
ففهمت مالم يفهمه الكبار يا أبت توكل على الله وبادر إلى الحج فإن الرزاق
حيّ ولن يضيعنا الله أبدا وبعد أن ذهب عرض له أمر اضطر بسببه أن يتأخر
في مكة وأوشك طعام أهله على النفاد والنفقة شحت عندهم ولم يأت أبوهم بعد
وبدءوا يلومون الفتاة الصغيرة ويقولون لها ها هو أبونا تأخر وطعامنا يوشك
أن ينتهي وأنت السبب فقد شجعتيه على الذهاب ولم تفكري في مانحن فيه
الآن وشتان بين البصر والبصيرة وبين عقولهم وتفكيرها وبين إيمانهم
وإيمانها وأمام هذا الضغط الأسري الذي كثيرا ما يتعرض له الدعاة العاملون
فماذا تفعل الفتاة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها انتظرت حتى جن الليل
وخلا كل أنيس بأنيسه وخلت بخالقها الذي وثقت به وتوكلت عليه توضأت
وصفت في محرابها واتجهت إلى الله في جوف الليل وناجت ربها في تضرع
وخضوع وخشوع لسان حالها
سهام الليل لا تخطي ولكن ......... لها أمد وللأمد انقضاء
وألحت على الله ألاّ يخزيها أمام أهلها وهي التي وثقت به وأفاقوا في اليوم
التالي على صوت يقرع الباب فإذا هو رجل يطلب ماءا فأعطوه فكان هذا
الرجل هو حاجب الأمير فشرب الأمير من الإناء وشعر بلذة الماء البارد في
اليوم الحار فأخرج صرة مملوءة بالذهب ووضعها في الإناء وقال من أحبني
فليصنع مثلي وأخرج الوزراء صررا مملوءة بالذهب ووضعوها في الإناء
ودفعوا الإناء إلى أهل بيت حاتم الأصم فلما رأت الفتاة الإناء ممتلئا بالذهب
بكت فقال لها أهلها ما يبكيك وقد أعطانا الأمير ذهبا فقالت لقد نظر إلينا
مخلوق فاغتنينا فكيف لو نظر إلينا الخالق ؟
هذه بعض نفحات الحج أحبتي في الله .
فاتقوا الله وسارعوا إن استطعتم إلى بيت الله الحرام واغتنموا فضل الله تعالى عليكم
وليؤدّ كل مستطيع منكم فريضة الحج قبل أن يعيقه عائق (الحج أشهر معلومات فمن
فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب
واعلموا أنه من أراد الحج فعليه أن يتعلم كيفيته وأحكامه وآدابه وما يحرم
وما يحل وما يسن حتى لا يقع في محظور يفسد حجه ولكي يتحقق له الحج
المبرور متأسيا في ذلك بقدوته صلى الله عليه وسلم القائل خذوا عني مناسككم ....
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم