سليمان الخراشي
15 03 2008, 01:52 م
بسم الله الرحمن الرحيم
1- أبوغدة :
هو الشيخ عبدالفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبوغدة ، ولد في مدينة حلب ، في 17 رجب 1335 الموافق 9 مايو 1917 م .
- بعد تخرجه من الثانوية الشرعية، رحل إلى مصر عام 1364/1944 للدراسة في الأزهر ، فالتحق بكلية الشريعة ودرس فيها في القترة ما بين 1364-1368/ 1944-1948، ثم تابع دراسته فتخصص في علم النفس أصول التدريس في كلية اللغة العربية في الأزهر أيضاً ، وحاز على شهادتها سنة 1370/1950م .
- وقد تتلمذ على الشيخ زاهد الكوثري رأس الجهمية في هذا العصر ، وكانت له مكانة عند أبي غدة ، سمى لأجلها أحد أبنائه باسمه . بل قال أحمد خيري في ترجمته للكوثري – معددًا تلاميذه – ( ص 68 ) : ( بلغ من شدة تعلقه به أن نسب نفسه إليه ؛ فهو الشيخ عبدالفتاح أبوغدة الحنفي الكوثري ) .
- وبعد أن أكمل أبوغدة دراسته في مصر ، عاد إلى سورية ، وعمل مدرسًا لمادة التربية الإسلامية أحد عشر عاماً في عدد من ثانويات حلب، ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة في جامعة دمشق، ودرّس فيها لمدة ثلاث سنوات "أصول الفقه" و"الفقه الحنفي" و "الفقه المقارن بين المذاهب" .
- التحق بجماعة الإخوان في سوريا ، وتدرج إلى أن أصبح أمينها العام .
-ثم لجأ إلى السعودية ، فعمل مدرسًا بجامعة الإمام ، وغيرها ، إلى أن توفي في شهر شعبان 1417/ديسمبر1996م .
-اشتهر بتحقيق الكتب ، وتحقيقاته – على دقتها - تتمحور حول بعث كتب متعصبة الأحناف – من علماء الهند خاصة –، في كتب أئمة الحديث غنية عنها .
أقوال العلماء فيه :
1-رد الشيخ حمود التويجري على كتابه " فتنة خلق القرآن .. " ، بكتاب مفيد ، عنوانه " تنبيه الإخوان على الأخطاء في مسألة خلق القرآن " ، قال في مقدمته ( ص 5 ) : " أمابعد : فقد رأيتُ رسالة للشيخ عبدالفتاح أبي غدة ، سماها " مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل " . وفي هذه الرسالة أقوالٌ غير مقبولة ، بل فيها أقوالٌ من أقوال الجهمية . ولما كانت هذه الأقوال قد تخفى على بعض طلبة العلم ، رأيتُ أنه يتأكد التنبيه عليها ؛ لئلا يغتر بها بعضهم .. " .
وقال ( ص 35 ) : " وفي صفحة 9 وصفحة 10، نقل المؤلف عن الشوكاني أنه قال: "ومسألة الخلاف في كلام الله وإن طالت ذيولها وتفرق الناس فيها فرقاً ، وامتحن بها من امتحن من أهل العلم ، وظن من ظن أنها من أعظم مسائل الدين، ليس لها كبير فائدة، بل هي من فضول العلم".
وأقول : لا يخفى ما في هذا الكلام من الغض من كلام الإمام أحمد وغيره من أكابر العلماء في الرد على الجهمية ، وتكفيرهم والتحذير من فتنتهم ، والأمر بهجرهم ومجانبتهم. ولو كان الأمر على ما توهمه الشوكاني لما كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يصبر على الحبس الطويل والضرب الشديد ومراغمة الملوك الجبابرة، وكذلك أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، قد بذل نفسه للقتل في سبيل الدفاع عن القرآن والرد على من زعم أنه مخلوق. وكذلك نعيم بن حماد ، والبويطي ، ومحمد بن نوح .. " .
وقال ( ص 59 ) : " إن إنكار المؤلف على مسلمة بن قاسم يدل دلالة واضحة على أن المؤلف يرى صحة ما أنكره مسلمة بن قاسم على الذين فرقوا بين ما في اللوح المحفوظ من القرآن وبين ما في أيدي الناس منه ، فجعلوا الذي في اللوح المحفوظ كلام الله تعالى ، وجعلوا ما في أيدي الناس مخلوقاً. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف وسماه تمييزاً هو مذهب السوء في الحقيقة ، وهو من أقوال الجهمية، ولو أن المؤلف اقتصر على كلام الحافظ ابن حجر لكان على الصواب، لأن الحافظ ابن حجر قد فرق بين المداد والورق والكاتب والتالي وصوته ، وبين كلام الله تعالى الذي يتلوه التالي بصوته ويكتبه الكاتب بالمداد على الورق، فصرح الحافظ ابن حجر أن أفعال العباد مخلوقة وأن كلام الله غير مخلوق. وفي الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها دليل لما قاله الحافظ ابن حجر، وفيها أيضاً أبلغ رد على ما ذهب إليه المؤلف وشيخه الكوثري فلتراجع.
وقبل الختام أرجو أن يتأمل أبو غدة ما نقلته عن الإمام أحمد والبخاري وغيرهما من أكابر العلماء الذين تقدم ذكرهم. ولعله بعد التأمل يراجع الحق ويطرح الآراء المخالفة لما كان عليه أهل السنة والجماعة " .
2- قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ، لابن أبي العز ( 49-60 ) : رادًا على أبي غدة : " هو الشيخ عبدالفتاح أبو غدة الحنفي الحلبي، المعروف بشدة عدائه لأهل السنة والحديث، لاسيما في بلده (حلب)، حين كان يخطب على منبر مسجده يوم الجمعة، ويستغله للطعن في أهل التوحيد المعروفين في بلده -بالسلفيين- خاصة، وفي أهل التوحيد السعوديين وغيرهم ، الذين ينبزهم بلقب الوهابية عامة، ويعلن عداءه الشديد لهم، ويصرح بتضليلهم بقوله: "إن الاستعانة بالموتى من دون الله تعالى وطلب الغوث منهم جائز، وليست شركاً، ومن زعم أنها شرك أو كفر فهو كافر " ! ويتهمهم جميعاً بشتى التهم، التي كنا نظن أن أمرها قد انتهى ودُفن، لأن الناس قد عرفوا حقيقة أمرهم، وأن دعوتهم تنحصر في تحقيق العبادة لله تعالى، وإخلاص الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأبي غدة هذا، يتجاهل كل ذلك، ويحيي ما كان ميتاً من التهم حولهم، ويلصقها بهم، بل ويزيد عليها ما لم نسمعه من قبل، فيقول من على المنبر: "إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يُذكر اسم محمد صلى الله عليه وسلم" !! - سبحانك هذا بهتان عظيم - ، إلى غير ذلك من التهم الباطلة مما سمعه منه أهل بلده الذين حضروا خطبه بذلك، وغيره مما جاء في التعليق على كتاب الأستاذ الفاضل فهر الشقفة: "التصوف بين الحق والخلق" (ص 220) الطبعة الثانية، وهذا موافق تماماً لما قاله متعصب آخر مثله، من حملة الدكتوراه في كتاب له: "ضل قوم لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته".
فهل هذا توافق غير مقصود بذاته من هذين المتعصبين ؟ وإنما التقيا عليه بجامع الاشتراك في الحقد على أهل السنة ومعاداتهم، دون اتفاق سابق بينهما على اتهامهم بهذه التهمة الباطلة التي نخشى أن يكونا أحق بها وأهلها ؟ أم الأمر كما قال تعالى: ( أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) ؟
فلما كتب الله على البلاد السعودية أن يكون أبو غدة مدرساً في بعض معاهدها كتم عداءه الشديد إياهم ولدعوتهم، وتظاهر بأنه من المحبين لهم، لسان حاله ينشد:
ودارهم ما دمت في دارهم
وأرضهم ما دمت في أرضهم !
ودعم ذلك بقيامه على طبع بعض كتب الحديث والتعليق عليها، وأحدها من كتب الإمام ابن القيم، ويزين بعضها بالنقل عنه وعن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى ، ولكنه في الوقت نفسه لا يتمالك من النقل عن عدوهما اللدود وعدو أهل الحديث جميعاً، بل والإكثار عنه، ألا وهو المدعو زاهد الكوثري، الذي كان -والحق يقال- على حظ وافر من العلم بالحديث ورجاله، ولكنه -مع الأسف- كان علمه حجة عليه ووبالا ؛ لأنه لم يزدد به هدى ونوراً، لا في الفروع ولا في الأصول، فهو جهمي معطل، حنفي هالك في التعصب، شديد الطعن والتحامل على أهل الحديث قاطبة، المتقدمين منهم والمتأخرين.
فهو في العقيدة يتهمهم بالتشبيه والتجسيم، ويلقبهم في مقدمة "السيف الصقيل" (ص5) بالحشوية السخفاء، ويقول عن كتاب "التوحيد" للإمام ابن خزيمة: " إنه كتاب الشرك"! أو يرمي نفس الإمام بأنه مجسم جاهل بأصول الدين!
وفي الفقه يرميهم بالجمود وقلة الفهم، وأنهم حملة أسفار(!)
وفي الحديث طعن في نحو ثلاثمائة من الرواة أكثرهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظاً، وجماعة من الأئمة الفقهاء، كمالك والشافعي وأحمد، ويصرح بأنه لا يثق بأبي الشيخ ابن حيان، ولا بالخطيب البغدادي ونحوهما! ويكذب الإمام عبدالله ابن الإمام أحمد بن حنبل المتفرد برواية "المسند" عن أبيه، وكأنه لذلك لا يعتبره من المسانيد التي ينبغي الرجوع إليها، والاعتماد عليها ، فيقول في كتابه "الاشفاق على أحكام الطلاق" (ص 23 طبع حمص) :
"مسند أحمد على انفراد من انفرد به ليس من دواوين الصحة أصلاً" ثم قال (ص 24): "ومثل مسند أحمد لا يسلم من إقامة السماع والتحديث مقام العنعنة، لقلة ضبط من انفرد برواية مثل هذا المسند الضخم"! ثم هو يصف الحافظ العقيلي بقوله: "المتعصب الخاسر" .
وبالجملة فقل من ينجو من الحفاظ المشهورين وكتبهم من غمز ولمز هذا المتعصب الخاسر حقاً ؛ مثل ابن عدي في "كامله" والآجري في "شريعته" ! وغيرهما.
وهو إلى ذلك يُضعّف من الحديث ما اتفقوا على تصحيحه، ولو كان مما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" ، دون علة قادحة فيه، وقد سبق ذكر بعض ما ضعفه منها، وعلى العكس من ذلك ؛ فهو يصحح انتصاراً لعصبيته المذهبية ما يشهد كل عارف بهذا العلم أنه ضعيف بل موضوع، مثل حديث "أبو حنيفة سراج أمتي" ! إلى غير ذلك من الأمور التي لا مجال لسردها، وبسط القول فيها الآن. وقد رد عليه وفصّل القول فيها بطريقة علمية سامية، وبحث منطقي نزيه، العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني في كتابه "طليعة التنكيل" ، ثم في كتابه الفذ العظيم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، فليراجعهما من شاء الوقوف على حقيقة ما ذكرنا، فإنه سيجد الأمر فوق ما وصفنا. والله المستعان.
هذا شيء من حال الكوثري، وأبو غدة -دون شك- على علم بها، لأنه إن كان لم يتعرف عليها بنفسه من بطون كتب الكوثري التي هو شغوف بمطالعتها - وهذا أبعد ما يكون عنه – فقد اطلع عليها بواسطة رد العلامة اليماني عليها رداً عليماً نزيهاً كما سبق.
وإن تعليقات أبي غدة الكثيرة على الكتب التي يقوم بطبعها، والنقول التي يودعها فيها من كلام الكوثري كل هذا وذاك ؛ ليدل دلالة واضحة على أنه معجب به أشد الإعجاب، وأنه كوثري المشرب. وكيف لا ؟ وهو يضفي عليه الألقاب الضخمة، التي لا يطلقها عليه غيره، فيقول: "العلامة المحقق الإمام" (ص68) من التعليق على "الرفع والتكميل". بل يقول قبيل مقدمته عليه: "الإهداء : على روح أستاذ المحققين الحجة المحدث الفقيه الأصولي المتكلم النظار المؤرخ النقاد الإمام" !! "وقد بلغ من شدة تعلقه به أن نسب نفسه إليه فهو الشيخ عبدالفتاح أبو غدة الحنفي الكوثري" ، وأن سمى ابنه الكبير باسم: زاهد، تبركاً به وإحياء لذكره! فهو إذن راض عنه وعن أفكاره وآرائه مائة في المائة! فهو مشترك معه في تحمل مسؤولياتها. ويؤكده أنه لم يُبد أي نقد أو اعتراض في شيء منها في أي تعليق من تعليقاته الكثيرة، بل هو متأثر به إلى أبعد حد، فإنك تراه بينما هو يضفي عليه ما سبق من الألقاب الضخمة، يضن على شيخ الإسلام ابن تيمية ببعضها، فهو إذا ذكره لا يزيد على قوله: "الشيخ ابن تيمية" (ص55، 60- الرفع والتكميل)، مع الاعتراف بأننا لا ندري على وجه اليقين بقصده بـ"الشيخ" هنا، هل يعني في العلم والفضل، أم في العمر والسن، أم في الزيغ والضلال !! وكان المفروض أن لا نتوقف في حمله على المعنى الأول، ولكن منعني من ذلك علمي أن أبا غدة "كوثري" كما عرفت، والكوثري يرمي ابن تيمية في كثير من تعليقاته بالزيغ والضلال! بل لقد قال في كتابه "الاشفاق" (ص 89): "إن كان ابن تيمية لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام" ! وغالب ظني أن هذه الكلمة - وأبو غدة متأثر بها قطعاً لأنها من شيخه "أستاذ المحققين الحجة.." – هي السبب في اقتصار أبي غدة على لفظ "الشيخ ابن تيمية" دون "شيخ الإسلام" ؛ لأنه لو فعل لكان عاقاً لشيخه وذلك ما لا يكون منه إلا أن يشاء الله هدايته! أقول هذا مع علمي أنه أطلق مرة هذا اللقب عليه في تعليقه على "الأجوبة الفاضلة" (ص 92)، فإن كان ذلك عن اعتقاد منه بما كتب ورام، ولم يكن منه رمية من غير رام، ولا على سبيل ما يعتقده الناس في بلد إقامته المؤقتة "الرياض" ، ولا من قبيل الزلفى به إليهم، أو غير ذلك من الاحتمالات التي قد تخطر في البال، فيكون أبو غدة بإطلاقه المذكور، قد أعلن براءته من شيخه الكوثري في كلمته السابقة. فلعل عنده من الشجاعة الأدبية ما يتجرأ به على أن يعلن صراحة أنه كتب ذلك عن قناعة واعتقاد فقط، وأن ابن تيمية رحمه الله هو شيخ الإسلام حقاً. وأن كلمة شيخه الكوثري المتقدم في رد ذلك هو كافر بها ومتبرئ منها، فإن فعل، وذلك مما أشك فيه، سألت الله لنا وله التثبيت!
ومهما يكن قصد أبي غدة من قوله" الشيخ ابن تيمية"، فالذي لا نشك فيه أنه تلميذ الكوثري حقيقة ومذهباً. وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون سلفي المذهب في التوحيد والصفات، كما كان عليه ابن تيمية وابن القيم وابن عبدالوهاب، رحمة الله عليهم، لأن شيخه الكوثري يعاديهم في ذلك أشد المعاداة، وقد قدمت إليك بعض ما رماهم به من التهم كالتجسيم وغيره، ومن نسبته ابن تيمية خاصة إلى الكذب والخيانة في النقل! مما يدل على أنه ألد أعداء أهل السنة والحديث إطلاقا في العصر الحاضر.
وإذا كان كذلك، فأبو غدة عدو لدود أيضاً لهم، ولا يمكن أن يكون غير ذلك؛ وهو يضفي تلك الألقاب الضخمة عليه ، فإلى أن يتبرأ من شيخه في معاداته تلك لأهل السنة، فهو ملحق به. وليس هذا مما ينافي قوله تعالى: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) .
كلا، وإنما هو من باب المؤاخذة على اعترافه بأنه كوثري، وبعلمه بانحراف شيخه وطعنه في أهل السنة وأئمة الحديث والفقه ، وغير ذلك من مخازيه التي منها مطاعنه العديدة في شيخ الإسلام ابن تيمية ، حتى لقد قال -عامله الله بما يستحق-: "ولو قلنا لم يُبل الإسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود والنصارى.. " !! "الإشفاق" (ص 86).
إن أبا غدة يعلم هذا وغيره مما ذكرنا ، وما لم نذكره عن شيخه الكوثري، ولم نره يتعقبه في شيء من ذلك إطلاقاً، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أنه مع شيخه في عدائه لأهل السنة والحديث، وإلا فليعلن براءته منه جملة وتفصيلا، فإن فعل - وما إخاله – أخذنا بظاهر كلامه، ووكلنا سريرته إلى ربه سبحانه وتعالى.
وبعد هذا كله: أليس لنا أن نتساءل : إذا كان أبو غدة بهذا البعد عن أهل السنة والتوحيد تبعاً لشيخه الكوثري، حتى كان يعلن في حلب تكفير القائلين بأن الاستغاثة بغير الله كفر، كما سبق، فكيف طاب له المقام في البلاد السعودية هذه السنين حتى الآن، وهو يعلم أنهم هم الذين كان يعنيهم أصالة بتكفيره المذكور؟ فهل رجع هو عن تكفيرهم ، وعن القول بجواز الاستغاثة بغير الله، إلى القول الذي كان ينقمه عليهم: إن الاستغاثة كفر. وبذلك حصل الوئام، فطاب له المقام؟
فأقول: الجواب في قلب أبي غدة، ولكن الذي نعلمه عنه هو ما سبق ذكره، ومن القواعد الأصولية المقررة عند الحنفية وغيرهم ؛ قاعدة استصحاب الحال إلا لنص، ولما كان لا نص لدينا برجوع أبي غدة عن تكفيره المذكور، فالواجب علينا البقاء على ما نعلمه عنه، وعلى ذلك فلم يحصل الوئام المزعوم، لأن السعوديين –وخصوصاً أهل العلم منهم - لا يزالون - والحمد لله- محتفظين بعقيدتهم في التوحيد، محاربين للشركيات والوثنيات، التي منها الاستغاثة بغير الله تعالى من الأموات، فكيف إذن طاب له المقام بين ظهرانيهم؟
الذي أتصور أنه لم يكن بينهم كما يجب أن يكون "المربي الناصح الرشيد"! يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويبين لهم أن ما أنتم عليه من أمور منكر وضلال، منها إنكار قولهم: إن الاستغاثة بغير الله تعالى كفر، فإنه لو فعل، لكان أمر من ثلاثة أمور: إما أن يقنعهم بضلالهم، بخطبة نارية يلقيها هناك، كما كان يفعل في بلده (حلب)، وهذا مستحيل.
وإما أن يقنعوه هو بضلاله ، بما عندهم من حجج ناطقة وأدلة قاطعة من كتاب الله وسنة رسوله، وهذا بعيد!
وإما أن تكون الثالثة ولا بد، وهي .. إلا أن يشاء الله تعالى.
ولما كان يعلم بأن النتيجة هي ما أشرنا إليه، وكان يستحب البقاء بين أظهرهم، لسبب لا يخفى على القارئ اللبيب، آثر أن يظل بينهم كأي إنسان آخر ليس له هدف إلا .. على حد قول الشاعر:
ودارهم ما دمت في دارهم
وأرضهم ما دمت في أرضهم !
ولا يستغربن هذا أحد ممن يحسنون الظن بأبي غدة، ولم يعرفوا حتى الآن عقيدته، فإن لدي البرهان القاطع على ما نسبت إليه من المداراة ، ولم أقل: المداهنة!
لقد قال في مطلع تقريره الجائر ما نصه: "يرى الناظر في شرح الطحاوية أن الشارح لها من أهل التوثق والضبط والإتقان فيما ينقله من الأحاديث الشريفة وغيرها.. بعبارة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، وبإمامة ملموسة مشهورة".
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمناً حقاً بهذه الإمامة الملموسة المشهورة ؛ فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلب مخلص فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد -مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
المسألة الأولى: قال الإمام (ص 125): "وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث". قلت: وهذا الإطلاق هو مما يدندن به شيخه الكوثري في تعليقاته، ليتوصل إلى نفي حقيقة الكلام الإلهي المسموع. وراجع له "شرح الطحاوية" (ص 168- 188) و" التنكيل" (2/ 360- 362).
المسألة الثانية: قال الإمام تبعاً لأبي جعفر الطحاوي (ص 168): وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أن كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق كلام البشرية".
ثم شرح "الإمام" مذاهب الناس في مسألة الكلام الإلهي على تسعة مذاهب وبين أن مذهب السلف: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأنه يتكلم بصوت.
وشيخ أبي غدة ينفي الصوت المسموع (مقالات الكوثري ص 26)، ويقول في تعليقه على "كتاب البيهقي": "الأسماء والصفات" (ص 194)" إن موسى عليه السلام لما كلمه الله تعالى تكليماً لم يُسمعه صوته، وإنما أفهمه كلامه بصوت تولى خلقه من غير كسب لأحد...."!
المسألة الثالثة: قال "الإمام" (ص 280) تبعاً للطحاوي: "وهو (تعالى) مستغن عن العرش وما دونه، ومحيط بكل شيء وفوقه" ، والكوثري لا يؤمن بفوقية الله تعالى على خلقه حقيقة كما كما يليق بجلاله، بل إنه ينسب القائلين بها من الأئمة إلى القول بالجهة والتجسيم!
المسألة الرابعة: يُثبت الإمام "الفوقية المذكورة بأدلة كثيرة جداً، في بعضها التصريح بلفظ "الأين" الذين سأل به رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية ليتعرف على إيمانها". وشيخك يا أبا غدة يُنكر مثل هذا السؤال تبعاً لتشكيكه في صحة الحديث كما سبق (ص27)، فهل تؤمن أنت بهذا الحديث، وتجيز هذا السؤال الذي سأله الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!
المسألة الخامسة: يقول "الإمام" تبعاً للأئمة : مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة: "إن الإيمان هو تصديق الجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وقالوا: يزيد وينقص".
وشيخك تعصباً لأبي حنيفة يخالفهم ، مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح رضي الله عنهم، بل ويغمز منهم جميعاً مشيراً إليهم بقوله في "التأنيب" (ص44- 45) إلى "أناس صالحون" يشير أنهم لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه، وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم، ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة، وإنه الحق الصراح. وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون (!) هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص. وقد نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفه، في التعليق على "الرفع والتكميل" (ص 67- 69)، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجداً به ومكبراً له بقوله ( ص218):
"وانظر لزاماً ما سبق نقله تعليقاً فإنك لا تظفر بمثله في كتاب" ، ثم أعاد الإشارة إليه (ص 223) مع بالغ إعجابه. وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح- مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم ، الذين ذهبوا إلى: أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي (5/129)، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركناً أصلياً، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقاً، بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: "وبقوله: الإيمان يزيد وينقص" كما في "البحر الرائق" – "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع شرح الطحاوية (ص 338- 360)، و"التنكيل" (2/ 362- 373) الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة.
وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يُقال في الخلاف المذكور في المسألة أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم -ولو كان فاسقاً فاجراً-: أنا مؤمن حقاً، ينافي مهما تكلفوا في التأويل التأدب مع القرآن ، ولو من الناحية اللفظية على الأقل الذي يقول: ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً ) . فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من هو المؤمن حقاً عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقاً عند هؤلاء؟!
المسألة السادسة: ذهب "الإمام" شارح الطحاوية (ص 351) إلى جواز الاستثناء في "الإيمان" وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. على تفصيل في ذلك بينه، والحنفية يمنعون منه مطلقاً، بل إن طائفة منهم ذهبوا إلى تكفير من قال ذلك، ولم يقيدوه بأن يكون شاكاً في إيمانه، ومنهم الاتقاني في "غاية البيان"، وصرح في "روضة العلماء" (من كتبهم) بأن قوله "إن شاء الله" يرفع إيمانه، فلا يجوز الاقتداء به (يعني في الصلاة). وفي "الخلاصة" و"البزازية" في كتاب النكاح، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل: من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه. قال الشيخ أبو حفص في "فوائده": لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا، ولكن يتزوج بنتهم. زاد في "البزازية" تنـزيلاً لهم منـزلة أهل الكتاب. كذا في "البحر الرائق" (2/51) !!
المسألة السابعة: ذهب شارح الطحاوية (ص 236-239) تبعاً لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم.
وهذا مما خالف فيه الكوثري إمامه أبا حنيفة رحمه الله تعالى، اتباعاً لأهواء العامة، ونكاية بأهل السنة. كما يعلم ذلك من اطلع على رسالته "محقق التوسل" وغيرها. وقد كنت بينت شيئاً من تعصبه واتباعه لهواه في محاولة تقويته إسناد حديث في التوسل، فيه من هو ضعيف عنده، كما هو مشروح في الجزء الأول من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (24)، فليراجعه من شاء.
قلت: فهذه سبع مسائل هامة، كلها في العقيدة، إلا الأخيرة منها، قد وجهتها إلى أبي غدة ، الذي تظاهر بالثناء على شارح "الطحاوية"، ووصفه بأنه صاحب "إمامة ملموسة مشهورة"، فإذا أجاب بمتابعته له فيها- وهذا ما أستبعده على كوثريته - فالحمد لله. وإن خالفه فيها، وظل على كوثريته. فقد تبين للناس- إن شاء الله تعالى- أن ثناءه على شارح "الطحاوية" (الإمام)، لم يكن عن اعتقاد وثقة به كما زعم، وإنما ليتخذه سلماً للطعن بمخرج أحاديثه، والإ كيف ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء ، بل الضلالات السبع بزعمه تبعاً لشيخه الكوثري، وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع منها، وينتقدني شاكياً إلى بعض رؤسائه أو المسؤولين هناك - في أمور- لو صح نقده فيها لا تكاد تُذكر تجاه تلك، كماً ولا كيفاً؟!
وليت شعري ما الذي منع أبا غدة، إذا كان لديه من الانتقادات عدة، حول هذا الكتاب أو غيره من مؤلفاتي، أن يفضي بها إليّ مباشرة حينما كنا نلتقي مرات في أشهر العطلة الصيفية، في المكتب الإسلامي، بدل أن يغافلني، ويرفع ذلك التقرير الجائر خلسة دون علمي ، أو علم صديقه صاحب المكتب الإسلامي، ترى ماذا يقول عامة الناس فضلاً عن خاصتهم فيمن كان هذا صنيعه مع أخيه؟! فإن قالوا فيه: إنه ... فلا يلومن إلا نفسه، وعلى نفسها جنت براقش، وصدق الله العظيم القائل: ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) .
3-وصنّف الشيخ بكر أبوزيد – رحمه الله –رسالته " براءة أهل السنة " ، لبيان بعض قبائح الكوثري شيخ أبي غدة ، وعدوانه على الأئمة من أهل السنة ، وقدّم لها سماحة الشيخ ابن باز – رحمه الله - ، بهذه المقدمة :
" من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إِلى حضرة الأَخ المكرم صاحب الفضيلة العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أَبو زيد وكيل وزارة العدل. لازال مسدداً في أَقواله وأَعماله, نائلاً من ربه نواله, آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أَما بعد: فقد اطلعت على الرسالة التي كتبتم بعنوان: ( براءة أَهل السنة, من الوقيعة في علماء الأُمة ) ، وفضحتم فيها المجرم الآثم, محمد زاهد الكوثري بنقل ما كتبه من السَّبِّ, والشَّتم, والقذف لأَهل العلم والإِيمان, واستطالته, في أَعراضهم وانتقاده لكتبهم إِلى آخر ما فاه به ذلك الأَفَّاك الأَثيم, عليه من الله ما يستحق, كما أَوضحتم أَثابكم الله تعالى تعلُّق: تلميذه الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة به, وولاءه له, وتبجحه باستطالة شيخه المذكور في أَعراض أَهل العلم والتُّقَى, ومشاركته له في الهمز واللمز, وقد سبق أَن نصحناه بالتبرئ منه, وإِعلان عدم موافقته له على ما صدر منه, وأَلححنا عليه في ذلك, ولكنه أَصر على موالاته له هداه الله للرجوع إِلى الحق, وكفى المسلمين شره وأَمثاله. وإِنا لنشكركم على ما كتبتم في هذا الموضوع ونسأَل الله أَن يجزيكم عن ذلك خير الجزاء, وأَفضل المثوبة لتنبيه إِخوانكم إِلى المواضع التي زلت فيها قدم هذا المفتون -أَعني: محمد زاهد الكوثري-. كما نسأَله سبحانه أَن يجعلنا وإِياكم دعاة الهدى, وأَنصار الحق إِنه خير مسئول, وأَكرم مجيب . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
-قال الشيخ بكر ( ص11 ) عن تحقيق أبي غدة لكتابي " الرفع والتكميل " ، و " الأجوبة الفاضلة " للكنوي : " وَكُلُّ واحدٍ منهما يمثل رسالة بقدر بسطة اليد, ولو وضعت في ظرف لوسعها, لكن صار نفخهما بتكبير الحرف, وإِطالة التعليقات .. " وأنه : " أَثقلها بالحواشي التي شدت على هذا الانتصار بتجسيد المذهب الحنفي, والتمشعر, حتى امتلأَت بهذه النصرة خاصرتا حواشيه بما يشهد الناظر فيها أَن هذه هي الروح التي تموج في جسم تلك الحواشي من رأْسها إِلى عقبها, مع ما فيها من المحامل البعيدة والمغامز, والتَّذَرُّع بكلام الشيخين: ابن تيمية, وابن القيم - رحمهما الله تعالى - في مواضع, في ضروب من التعسف بالاستدلال واجتراء النقول, والحط عليهما حيناً, ونقل كلام خشن في حقهما أَحياناً, وانتقاد مسلكهما. إِلى آخر ما أَفْضَتْ إِليه النوبة عن شيخه بقلمه الهماز في هذا المَهْيَع .. – ثم ذكر أمثلة لذلك ستأتي في ختام المقال إن شاء الله – " .
-وقال الشيخ بكر ( ص14 ) : " كسكوته في حواشيه على الأَحاديث التي تعالج المشرب الخلفي, ولو كانت مرفوضة سنداً مثل: ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) " .
-وقال (ص 15 ) : " كما تابع شيخه في التنقص من أَمير المؤمنين الإِمام البخاري صاحب الصحيح -رحمه الله تعالى- في: مبحث الإِرجاء " .
وقال الشيخ بكر ( ص 31 – 33 ) - بعد أن نقل شيئًا من انحرافات الكوثري وعدوانه - : " فهذا التلميذ الوفي لتلكم المشارب الكدرة: يزنه بميزان علماء السلف, مع ما رأْته عينك الباصرة في هذه النماذج من فحش القول وقبحه, والتبرقع بالصفاقة, والحماقة, وبث الرِّيَب, وتنزيل السباب والشتائم . وهذا التلميذ أَثقل رسائله, وتعليقاته بالنقل عنه بما يزيد عن مائة وعشرين مرة -بما يمثل مجموعة مجلدة مستقلة مستغفلاً لعباد الله كأَنه يصيح بها في وادٍ لا يُنْبِتُ إِلا أَغفالاً شربوا من تلك الأَرض. من عمل (جُلَّق). كل هذا يسوقه بقلم الحفاوة والرضا, أَليس هذا هو عين المساوقة في: الاعتقاد والرضا؟ وهذا التلميذ صار من أَجله (سَمَرياً) يجمع ما يحسبه ناهضاً لمشاربه الكدرة وجل الاستدلالات منها كأَحاديث السُّمَّار لا يهم السامر صدقاً كانت أَم كذباً, وعند التحقيق فالذي يسوقه: نصف ليس له, ونصف عليه, فبماذا يتسلى المفلسون؟ والمسكين بقدر ما احترق في (الكوثري), تهالك في مشاربه, لكن الشيخ ينشرها عن طريق الفظاظة والمجاهرة, والسرف والمناكدة, لأَنه في إِقليم يسمح له بذلك, والتلميذ تحت وطأَة الإِقليم, والعيش الرغيد، ينشرها بكلمات يلف حبلها على غاربها عن طريق النقل المجرد, وترك النص بلا تعليق, ومسلك التشذيب لمدرسة أَهل الحديث بالشد على مسلك مدرسة الرأْي في القديم والحديث . فهو في المحاماة عن شيخه ومشاربه: وكيل جَلْد. إِنه بهذا الرضا الفضفاض, وهذه الحفاوة البالغة, وحال الرجل كما أَشرت, وفوق ما وصفت في اتجاهاته العقدية, والمذهبية, والتلميذ مثل بهذا العناء وحمله ونشره, فإِن حواشيه (زاملة هذه المشارب) تحمل مخاطر عظيمة على أُصول الحديث ومصطلحه, مكدرة صفوها, مائلةً بها إِلى مسار مدرسة معينة؟ وهذا إِخسار في الميزان, والله تعالى يقول: ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) , ولن يبلغ السادرون في العصبية مأْربهم, وإِن أَكل البَغَض قلوبهم, والله من ورائهم محيط. فيا أَيها الراغب في السنة: اعتبر اعتبار أُولي الأَبصار, وكن من كتب عصبة التعصب على تَقِيَّة, فإِنها ليست بِنَقِيَّةٍ, وفيها دَسَائس خَلَفية, وَتَبَصَّر أَي الفريقين أَحق بالأَمن من الهوى وغَلَبة العصبية ، واحذر العزو إِليها فإِن فوتها غنيمة, والظفر بها هزيمة " .
- وقال الشيخ بكر ( ص 41-42) – بعد أن بين أشعرية وقبورية أبي غدة – رادًا على السني المداهن لأهل البدعة ؛ من أمثال أبي غدة : " ومن قال: آخذ ما صفى, وأَدع ما كدر, قيل: هذا غير مقبول فيمن غلا وجفا, ونأَى عن الصدق والتُّقى, مع السكوت عن مسالكه في: التضليل والردى. والمعقود في: اعتقاد أَهل السنة والجماعة أَنه لا ولاء إِلا ببراء, فلا موالاة للسنة إِلا بالبراءة من البدعة, ولا موالاة لعلماء السنة وأَهلها, إِلا بالبراءة من علماء المبتدعة وحملتها, وهلم جرا. فالمنابذة مستحكمة, والرحم جَذَّاء بين السنة والفعلات الشنعاء, والنهي عن المنكر من واجبات الشريعة الغراء, وكل امرئ بقدر ما فيه يكون الولاء والبراء, ويناصح وينبه على خَطَئِهِ وخطله, على ضوء شريعة رب الأَرض والسماء, وأَيضاً فلم يجر هذا منه في حق أَعداد من العلماء, بل تحطط على الشيخين: ابن تيمية, وابن القيم, وغيرهما, وأَرشد إِلى صحائف تحمل السَّخَائم والردى. فهل يصدق من قال: بأَنه تائب من البدعة, وهو محتضن لحاملها, متنكر لمفترعها . فهذا العلامة المعلمي, المتوفى سنة 1386هـ - رحمه الله تعالى -: له جهود في خدمة السنة وعلومها, كما في (التنكيل) و(طليعته), وفي: تحقيقاته الحافلة في كتب في: الرجل, والأَنساب, والموضوعات, أَبدى يَراعُهُ فيها بَراعةً وَدُرَراً في أُصول التخريج, وقواعد الجرح والتعديل, في جهود انتشرت الاستفادة منها في كتب المعاصرين. ولم نر التلميذ يذكره بخير سوى مرتين, مرة لنقده, وأُخرى للتحجج به على بعض أَقرانه السلفيين؟ فبماذا يفسر هذا الهجران والتنكر لعالم سلفي؟ وبماذا تفسر تلك الحفاوة والاحتضان؟ نعم لا يجتمع الولوع بين المتضادين فكما لا يجتمع في قلب عبدٍ: حب القرآن وحب الغناء, فكذلك لا يجتمع حب السنة والبدعة, ولا حب السني والمبتدع . والذي في قبضته ولوعه بهذا البائس . قال العلامة محمد الخضر حسين - رحمه الله تعالى - في (رسائل الإِصلاح): (2 / 13): ( وكثيراً ما يقاس الرجل بأَصدقائه فإِن رآه الناس يصاحب الفساق والمبتدعين, سبق إِلى ظنونهم أَنه راضٍ عن الابتداع ولا يتحرج من الفسوق. وقد صرح بعض الشعراء أَنه ترك مودة رجل من أَجل أَنه يصاحب الأَراذل من الناس فقال:
يزهدني في ودك ابن مســاحق ** مودتك الأَراذل دون ذوي الفضل ) اهـ " .
وقال الشيخ بكر – رحمه الله – مبينًا تحريفات أبي غدة في نشره لعقيدة القيرواني :
) توظيفه التحريف لنص مقدمة الرسالة :
رأيت في إخراجه للنص تصرفات في ذات النص بالحذف في موضعين ص20-23
والتصرف بإبدال كلمة بإخرى في موضع واحد ص25
والزيادة من كيسه على النص في ستة مواضع ص33-38-41
تعلم ذلك بالمقابلة بين نص المقدمة الذي نقله وبين نص المقدمة في ( الرسالة ) ومع شروحها المطبوعة .
وقد قابلت النص الذي طبعه على نسخ الرسالة مفردة ومع شروحها المطبوعة .
ثم قال الشيخ : وبالمقابلة على متن مقدمة الرسالة في جميع هذه النسخ
وجدت أن جميع ماأشرت إلى مواضعه من تحريفاته بالحذف أو التغيير أو الزيادة كلها تحريفات من عنده ، وجميعها بالجملة تحمل نفساً مذهبياً وعصبية خلفية
نعم تورع في مقدمة الطبع فذكر أنه سيزيد ألفاظاً !
فحول هذه العقيدة من انتظامها العقدي لفرائض الإعتقاد إلى مذكرة فقهية في قالب اصطلاح مذهبه الفقهي بإقحامه ستة ألفاظ في ستة مواضع من كلام أبي زيد -رحمه الله -
منها ألفاظ ( فرض وواجب ومطلوب)!
وأمور الإعتقاد تجري على سياق واحد بأنها أصل الدين وقاعدته .
والفرض والواجب لافرق بينهما عند جمهور الفقهاء منهم مالك -رحمه الله - ، وابن أبي زيد مالكي المذهب ،والتفريق بينهما من مفردات مذهب الحنفية إذ الفرض عند الحنفية لماثبت بدليل قطعي ، والواجب لماثبت بدليل ظني و ،( المطلوب ) لماتردد بينهما
فلماذا هذا ؟؟ ( الردود ص459-460-461) .
- ومن تحريفاته للرسالة : حذفه من فاتحة المقدمة قول المؤلف رحمه الله :
(وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك ابن أنس -رحمه الله -وطريقته مع ماسهل سبيل ماأشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين) .
- وعند قول ابن أبي زيد رحمه الله ( ولايتفكرون في ماهية ذاته ) ( ص25)
حذف الكوثري الصغير كلمة ( مــــــــــــــاهية )
وأبدلها بكلمة ( حقيــــــــــقة ) !
وقال في التعليق : ( أي لايعلم أحد حقيقة ذات الله تبارك وتعالى ) !
فانظر الى المكر : حذف وزيادة وتغيير وتدليس وفرار من طريقة السلف ، وتلفيق مرفوض شرعاً ومسلكاً ،وهذه عادة شيخـــــــــــه الضال يسطو على كتب السلف ويحشــــــــــوها تعليقات مسمومة خبيثة .
- ومن تحريفات أبي غدة الكوثري في تعليقاته على ( التصريح بماتواتر في نزول المسيح ) لمحمد شاه
1- في التعليقة رقم ( 2) ( ص97) زيادة لم يقلها ابن حجر في (فتح الباري) !
2- في ( ص104-105) ذكر نقولاً عن الحافظ ابن حجر زاد في بعضها ونقص في البعض الآخر وغير في موطن ثالث !
3-في التعليق رقم 1( ص107) نقل عن النووي -رحمه الله -في شرح مسلم
فـــــــزاد عليه ونقص .؟
4- في التعليق رقم 2 ( ص110) نقل عن النووي أيضاً فغير في كلامه وتصرف .
ثم قال الشيخ بكر أبوزيد رحمه الله : ولقد سئمت من تتبع مخازي هذا المبتلى بالتحريف والتصرف في النقول ، فاكتفيت بالإشارة إلى ماوقع لي أنه حرف وتصرف فيه ليرجع إليه من شـــــــــــــاء ،والنتيجة أن هذا التلميذ لايوثق بعلمه ولابنقله )
( الردود ص240) .
4- وجاء في كتاب " التصوف بين الحق والخلق " للأستاذ محمد فهر شقفة ( ص 220-224) : " ومن خصوم أهل الحديث السلفيين في سورية الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ، فهو حبا في التقرب إلى العامة والغوغاء ليكسب عطفهم وتأييدهم... يعمد إلى الطعن في هؤلاء السلفيين حسداً وحقداً ، فقد خطب مرة في أحد مساجد حلب، فتطرق إلى الكلام على السلفيين فأسماهم (الوهابيين) تقليداً للعامة والرعاع ، وكان مما قاله: "إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يسمعون بذكر محمد صلى الله عليه وسلم " ! مما لا يجسر على القول به أكذب الناس ؛ لما يعلمه من مبلغ حب السلفيين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وسعيهم الحثيث لتقفي أثره والنهج حسب سنته والرجوع لمذهبه.
وآخر ما علمنا من افتراء الشيخ أبو غدة أنه يشيع بين أصحابه وزملائه في السعودية أن محدث الديار الشامية محمد ناصر الدين الألباني قد قرن الأحناف بالمجوس، ثم عدل عن المجوس إلى الكفرة ، يشير بذلك إلى ما جاء في تعليق الشيخ ناصر الدين الألباني على مختصر صحيح مسلم على حديث : "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم، فأمكم منكم"... قال ابن أبي ذئب في معنى : فأمكم منكم، فحكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم!
قال المعلق: "هذا صريح في أن عيسى عليه السلام يحكم بشرعنا، ويقضي بالكتاب والسنة، لا بغيرهما من الإنجيل أو الفقه الحنفي ونحوه (2/308).
والشيخ الألباني حفظه الله تعالى لا يقصد من هذا الجمع المساواة، ولكنه يرد بذلك على قول النصارى القائلين بأن المسيح يحكم عند نزوله بالإنجيل، كما يرد أيضاً على متعصبة الحنفية القائلين بأن المسيح يحكم عند نزولهم بمذهبهم كما جاء ذلك صريحاً في كتاب "الإشاعة في أشراط الساعة" للبرزنجي.
وأبو غدة يعرف يقيناً ماذا يقصده شيخنا بالكلام السابق، ولكنه الكيد والمكر والخديعة!! ولكن ما يفيده كل ذلك، وقد قال الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها، واوعى قرنه الوعل
ومن دلائل محاربة أبي غدة لأصحاب الحديث، أنه في تعليقاته على الشيخ علي القارئ رحمه الله حينما يأتي على ذكر شيخه زاهد الكوثري -وهو الحنفي المحروق والعدو اللدود لأهل الحديث - يشيد بوصفه، وحينما يأتي على ذكر ناصر السنة وقامع البدعة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بعلمه وإصلاحه، وأنقذ العالم الإسلامي من أوحال التعصب المذهبي وأدران التصوف والفلسفة يكتفي بقوله: قال الشيخ!!
مما يذكرنا بقوله الشاعر:
وليس قولك من هذا بصائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
هذا الذي تعرف (الفيحاء) وطأته
هذا التقي النقي الطاهر العلم
في الأصل البطحاء، وقد استعضنا عنها بفيحاء دمشق ؛ إشارة إلى انتصار الإمام ابن تيمية –رحمه الله- في المعركة التي وقعت بين المسلمين والتتار قرب دمشق مما قد ذكرنا لمحة عنها لما تكلمنا على مبحث الجهاد.
ومن الأدلة على محاربة عبد الفتاح أبي غدة للسنة : نشره وتحقيقه لرسالة الحارث المحاسبي الصوفي الذي نهى إمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله عن مطالعة كتبه ، وحتى عن مخالطته ، مما اضطره إلى الاختفاء بدار ببغداد ومات فيها ، مما ذكره الإمام ابن الجوزي في كتابه القيم "تلبيس إبليس" وذكره أبو غدة نفسه.. حيث نقل كلام الخطيب البغدادي في طعن الإمام أحمد بالحارث المحاسبي حيث قال عنه: "وكان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في علم الكلام وتصنيفه الكتب فيه، وبصد الناس عنه".
كما نقل الشيخ أبو غدة أيضاً كلام الخطيب البغدادي بسنده إلى سعيد بن عمرو البردعي قال: "شهدت أبا زرعة –وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب! إياك وهذه الكتب! هذه كتب بدع وضلالات! عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء ! هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم! يأتون مرة بالحارث المحاسبي - وعدّد أسماء بعض الصوفية - ، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع؟!
ثم قال أبو غدة: ويعلل الحافظ ابن رجب نهي أبي زرعة وأحمد وغيرهما عن مسلك الحارث المحاسبي تعليلاً آخر غير الذي أسلفناه ، فيقول رحمه الله تعالى في كتابه "جامع العلوم والحكم" ص 223.. "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق ، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي".
وعلى الرغم من هذه الشهادات المروعة في الحارث المحاسيبي، بالإضافة إلى الفضائح التي نسبها الإمام ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس".وبيانه فسادها وضلالها راح يذكر رواية الحافظ الذهبي بأن هجر الإمام أحمد له حتى مات في داره: "حكاية منقطعة"!
وماذ يفيد ذلك الحارث المحاسبي وأنصاره ما دام كلامه ظاهر البطلان واضح الابتداع، يوجب الشارع على كل مسلم مقاطعته ، كما هو مقرر من أوليات الشريعة؟!
وما يقول أبو غدة بكلام الإمام أبي زرعة والإمام ابن الجوزي والحافظ ابن رجب ؟
ومما قاله الشيخ أبو غدة في رسالة المحاسبي:
قال شيخنا الإمام (إمام الضلالة والسخف والتعصب المذهبي) محمد زاهد الكوثري رحمه الله ! لقد كان أثر الإمام المحاسبي على الغزالي كبيراً، لقد تبطن الغزالي كتاب "الرعاية" في كتابه "الإحياء".
ما جاء داخل القوس هو من كلامنا!
لقد كان هذا الأثر شؤماً على الغزالي أرداه حتى دخل بطون الفلاسفة ولم يستطع الخروج كما قال عنه الإمام القاضي ابن العربي رحمه الله، وكان كتاب "الإحياء" نفسه بسبب كتاب "الرعاية" وغيره شؤماً على المسلمين! وما أحسن ما قاله الإمام ابن الجوزي رحمه الله .
"... وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم -أي للمتصوفة- كتاب "الإحياء" على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة، وهو لا يعلم بطلانها! وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه ، وقال إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله عز وجل ، ولم يرد هذه المعروفات: وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه "المفصح بالأحوال": إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال !! من مشاهدة الصور إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق" (!!)
ثم قال الإمام ابن الجوزي عن كتاب الإحياء وغيره :وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة عملهم بالسنن والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم. ( تلبيس إبليس طبعة الوعي العربي ص 186) .
وكم أحسن أكثر علماء المغرب لما طالبوا أميرهم على بن يوسف بمصادرة كتاب "الإحياء" من المسلمين وإحراقه لما يحمل من بدع المتكلمين وضلالاتهم ، وأفتوا بعدم جوار قراءته بحال. وهكذا كان، فقد أمر هذا الأمير بجمع نسخ الإحياء فصب الزيت عليها وأحرقها في إحدى الساحات العامة. ( أبو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده باختصار ص 707 ) .
وقد جاء في هذا الكتاب المذكور بعد الصفحات السابقة أن الغزالي تأثر من حرق كتابه "الإحياء" ، فحرض بعض طلابه للخرافيين القساة على الرحيل إلى الأندلس ونزع الملك من الأمير علي بن يوسف انتقاماً منه مما كان من أسباب ضعف الأندلس أمام أعدائها الأسبان ، وهذا الحادث يضيف صفحة جديدة إلى سيئاته السياسية وموافقه الحربية المخزية! نعود إلى صلب الموضوع، فنقول:
هذا هو الحارث المحاسبي وتلك شهادات علماء السنة فيه مجمعين غير مختلفين.. وعلى الرغم من كل ذلك يعمد الشيخ أبو غدة لإحياء أثاره والإشادة بذكره فيقول ضارباً بكل وقاحة بآراء العلماء الأعلام السابقين عرض الحائط: "ومن أطيب ما ترك الأول للآخر آثار الإمام! الشيخ أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي الزاهد، الواعظ، الفقه المحدث!! المتكلم الناصح الأمين! الداعي! إلى الله بقلبه وقلمه، ولسانه، ونفسه...." ص 7.
ولم يكتف أبو غدة بهذا الثناء... بل راح يقول: هذا - وللشيخ أبي عبد الله المحاسبي نهج حسن طيب ، وهو أن تصوفه الذي دونه في كتبه راعى فيه ما جاء في الكتاب والسنة (!! ) وأقوال الصحابة وأعمالهم بحسب علمه وفهمه. ص 20
أستدرك على العبارة السابقة ما يلي:
أولاً: إما أن يكون الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لا يعرف الكتاب والسنة ؟ ما دام كبار الأئمة حذروا من المحاسبي لمخالفة سلوكه وأقواله للكتاب والسنة.
ثانياً: وإما أن يكون كلام أبي غدة شهادة زور لإغراء المسلمين بدراسة كتب المحاسبي ليزدادوا ضلالاًَ!
ومهما كان من هذين الاستدراكين، فقد أثبت المحاسبي جهلاً مريعاً وقلة فهم ، لما زعم أن تصوفه راعى فيه ما جاء في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأعمالهم ، مما نسبه إليه أبو غدة بأن كلامه وسلوكه وفق الكتاب والسنة.
ثم راح أبو غدة يغش المسلمين وينقل لهم النصيحة التالية للقشيري:
قال أبو عبدالله بن خفيف : اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا إليهم أحوالهم (!!) المحاسبي، والجنيد، ورويم... لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق(!) ص 21. وقد اطلع القراء فيما سبق على بعض آراء المحاسبي والجنيد المخالفة لأبسط مبادئ الإسلام.
أكتفى بهذا القدر من مناقشة بعض ما جاء في رسالة الحاسبي ، ولو أردنا التعقيب على كل ما جاء فيها من انحراف لاحتجنا إلى ضعف حجمها.
وننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من هذه الرسالة وهو موضوع تخريج أبي غدة لأحاديثها كما أشار (جنابه) إلى ذلك في أول الرسالة.
وقد كان هذا التخريج مبنياً على التقليد الذي ذهب بأبي غدة كل مذهب، واكتفى بنقل آراء المحدثين فقط دون ترجيح، فترك بذلك قراءه في حيرة لأنه هو في حيرة.
ورحم الله تعالى الشافعي فقد قال: المقلد كحاطب ليل، يحمل الأفعى وهو لا يدري...
حتى النقل أيضاً فإنه لم يحسنه، فقد عزا إلى الترمذي أنه قال عن الحديث الآتي: "غريب" مع أنه قال عنه "وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك".
وإلى القارئ مقارنة سريعة بين العلم والجهل وبين التخريج والتدجيل وبين المحدثين وأدعياء الحديث .. – ثم ذكر الأستاذ الشقفة أمثلة لجهالات أبي غدة الحديثية – ثم قال : "هذا مثال من أمثلة مما جاء في مراجعة الأحاديث الواردة في رسالة المحاسبي.
فهل نظلم أبو غدة إذا قلنا له: اذهب وتعلم الحديث قبل أن تتصدى إلى تخريجه، مما يقتضيه أبسط مبادئ العلم والأمانة!!
ورحم الله القائل:
فدع عنك الكتابة لست منها
ولو لطخت وجهك بالمداد! " .
5- وقال الشيخ الشمس الأفغاني – رحمه الله – ذاكرًا تلاميذ الكوثري : ( .. أصيب بأدواء الكوثري ، فصار أباغدة حقًا ، بل أباغدد صدقًا .. وقد كتبتُ رسالة بعنوان : براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة " - إلى أن قال - قال أبوغدة الكوثري في مقدمة ( الرفع والتكميل) عن رحلته إلى الهند وزيارته لقبر عبد الحي اللكنوي ( 1304 هـ) وذكر أنه مدفون في بستان الأنوار وبجانبه مسجد تقام فيه الصلوات ! ثم قال:
( ورأيت قبر الشيخ عبد الحي رحمه الله منحوتاً من المرمر الرخام الأبيض ومكتوباً عليه
قول تلميذه ( عبد العلي المدارسي) من قصيدة في رثائه ...:
أيها الزائر قف وأقرأ على هذا المزار ***** سورة الإخلاص والسبع المثاني والقنوت(
الرفع والتكميل 8/الطبعة الأولى –و14-15- الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة - 1407هـ) .
ولي على هذا تنبيهات :
1-أن من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن البناء على القبر وتشييده وجعله مزيناً بهذه الصورة من أكبر الجرائم المستوجبة للعنة ومن أعظم أسباب الشرك وهو من صنيع اليهود والنصارى .
2-أن هذا المنكر الشنيع يجب إنكاره إما باليد بهدمه وإما باللسان وعلى أقل تقدير بالجنان ، وأبوغدة لم يفعل شيئاً من ذلك ولم يتمعر جبينه في الله تعالى.
وكيف ينكر ذلك وهو لايراه منكراً وربما يراه تعظيماً للمقبور وإكراماً له ؟
ثم أسرة المقبور أحسنوا ضيافته فكيف ينكر عليهم وقد ألقموه لقمة ؟
خلق الله للحروب رجالاً ******** ورجالاً لقصعة وثريد
3-تزيين قبر أمثال هذا العالم المبجل في مثل ديار الهند المكتظة بالشركيات القبورية والخزعبلات الصوفية ليس إلا دعوة للشرك .
4-أين ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قراءة سورة الإخلاص والقنوت على القبر ؟!
مع تصريح كبار علماء الحنفية بأنه لايجوز لزائر القبر إلا ماورد في السنة الصحيحة من الدعاء لأهلها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. (الماتريدية للشمس السلفي:3/301-302) .
يُضاف على ماسبق :
1- قال اللكنوي في الرفع والتكميل ( ص 27 ) :" وأسأل الله سؤال الضارع الخاشع، متوسلاً بنبيه الشافع: أن يجعل جميع تصانيفي خالصة لوجهه الكريم " . ولم يُعلق أبوغدة على هذا التوسل البدعي .
2- قال اللكنوي الرفع والتكميل ( ص 211 ) : " وقد زل قدم من احتج على ضعف حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، بقول الذهبي في "ميزانه"، في ترجمة (موسى بن هلال) أحد رواته: وأنكر ما عنده حديثه عن عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "من زار قبري وجبت له شفاعتي". رواه ابن خزيمة عن محمد بن إسماعيل الأحمسي عنه. انتهى. وإن شئت زيادة التفصيل في هذا البحث الجليل، فارجع إلى رسائلي في بحث زيارة القبر النبوي، إحداها: "الكلام المبرم في نقض القول المحقق المحكم"، وثانيها: "الكلام المبرور في رد القول المنصور"، وثالثتها: "السعي المشكور في رد المذهب المأثور"، ألَّفتها رداً على رسائل من حج ولم يزر قبر النبي العربي، صلى الله عليه وسلم في كل بكرة وعشي " . ولم يُعلق المحدث ! أبوغدة . ولايخفاه ضعف هذه الأحاديث . والتوضيح في " الصارم المنكي " لابن عبدالهادي – رحمه الله - .
3- قال اللكنوي الرفع والتكميل ( ص 248 ) : "ومن ثم لم يقبل قول أبي حاتم في حق (موسى بن هلال العبدي)، أحد رواة حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي": إنه مجهول. لثبوت روايات الثقات عنه". ولم يُعلق أبوغدة .
4- قال اللكنوي الرفع والتكميل ( ص 251 ) : " وقال تقي الدين السبكي في "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" فعلق أبوغدة في الهامش : " هو أبو الحسن علي بن عبدالكافي السبكي، نسبة إلى سُبْك بالضم ، قرية بمصر. رئيس المحدثين وأحد المجتهدين، له تصانيف كثيرة تدل سعة نظره وجودة فكره، وله مناظرات مع معاصره ابن تيمية الحراني الحنبلي، وهو مصيب في أكثرها. توفي سنة 756. منه رحمه الله " ! لماذا لم تُصرح بهذه المناظرات التي أصاب في أكثرها ، مادمت تعتقدها !
5- قال أبوغدة في هامش ( ص 319 ) من الرفع والتكميل: " ولشيخنا الكوثري رحمه الله تعالى، كلمة جامعة في حال الذهبي، فقف عليها في تعليقه على رد السبكي على نونية ابن القيم، المسمى: "السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل" " !
6- قال أبوغدة في هامش ( ص 330 ) من الرفع والتكميل : " وقد نُقل عنه- أي ابن تيمية - عقائد فاسدة، شنّع عليه بها اليافعي وابن حجر المكي وغيرهما " !! فماهي هذه العقائد الفاسدة حتى نحذرها ، ونُحذّر منها ؟!
7- قال اللكنوي في الرفع والتكميل ( ص 414 ) : " وقدح أحمد في الحارث المحاسبي " .فقال أبوغدة في الهامش : " وذلك لاختلاف المشرب بين أحمد محدثاً، والمحاسبي متصوِّفاً متكلِّماً " ! فالمسألة مجرد مشارب ! لا سنة وبدعة .
8- نقل أبوغدة في ( ص 199 ) من الرفع والتكميل عن ابن حجر أن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – " كثير التحامل في رد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر " الرافضي ! وجواب هذا الاتهام يجده القارئ في رسالة الدكتور عبدالله الغصن " دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية " ، على هذا الرابط :
http://saaid.net/monawein/taimiah/index.htm
9- نقل أبوغدة ( ص 237 ) من تحقيقه لكتاب ( قواعد في علوم الحديث ) للتهانوي عن شيخه الكوثري قوله في الإمام البخاري : " ومن الغريب أن بعض من يعدّونه من أمراء المؤمنين في الحديث، يتبجح قائلاً: إني لم أُخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص " ! ولم يتعقبه .
10- نقل في ( ص 269 ) من الكتاب السابق قول السبكي عن ابن حزم وكتابه " الملل والنِحل " ،: " وقد أفرط في كتابه هذا في الغض من شيخ السنة أبي الحسن الأشعري، وكاد يصرح بكفره في غير موضع، وصرح بنسبته إلى البدعة في كثير من المواضع، وما هو عنده إلا كواحد من المبتدعة! " ثم قال : " قال عبدالفتاح: فهذا أيضاً يضاف إلى ما كان ابن حزم يجهله من العلماء وكتبهم، ويهجم عليهم بالتجريح والتجهيل لجهله بهم، فيقع في أشد العنت والتعنّت ".
11- قال في ( ص 441 ) من الكتاب السابق: " فهذا ابن تيمية نفسه متشدد في الجرح، فقد قال الحافظ في "لسان الميزان" 6: 319: وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر - الحلي الرافضي، مصنّف كتاب في فضائل علي رضي الله عنه- " . وقد سبق مثل هذا الاتهام .
12- في ( ص 470 ) من الكتاب السابق: قول التهانوي مؤلف الكتاب عن أحد شيوخه " ثم انتقل إلى رحمة ربه وجوار كرامته لستة عشر من شهر رجب سنة 1362هـ. اللهم ارفع درجاته، وتقبل حسناته، ومتعنا بفيوضه وبركاته بعد الممات، كما متعتنا بها في أيام الحياة ، ويرحم الله عبداً قال آمينا " ! ولمعرفة مقصد الديوبنديين بهذه الفيوضات تراجع رسالة ( الديوبندية ) .
13- قال أبوغدة عن الإمام ابن القيم – رحمه الله - ( ص 130 ) من تعليقه على ( الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة ) للكنوي: " بل تراه إذا روى حديثاً جاء على (مشربه) المعروف، بالغ في تقويته وتمتينه كل المبالغة، حتى يخيّل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر، في حين أنه قد يكون حديثاً ضعيفاً أو غريباً أو منكراً، ولكن لما جاء على (مشربه) جمع له جراميزه، وهبَّ لتقويته وتفخيم شأنه بكل ما أوتيه من براعة بيان وقوة لسان " ! فماهو مشرب ابن القيم المعروف ؟ وهل هو كمشرب أبي غدة ؟ وماالفرق ؟ وهل يقول مثل هذا سلفي ؟!
14- قال اللكنوي ( ص 155 ) من الكتاب السابق : " صحح الشيخ تقي الدين السبكي حديث ابن عمر في الزيارة " . فعلق أبوغدة بقوله : " في كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام ، ونص الحديث : من زار قبري وجبت له شفاعتي " !!
ولم يُبين المحدث درجة الحديث !
15- قال في ( ص 176) من الكتاب السابق : " وقد تعقّب شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى صنيع ابن تيمية في تشدده بنفي ما هو ثابت في كتاب أسماه: "التعقب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث"، ما يزال مخطوطاً " . قلتُ : لم يتهم شيخ الإسلام – رحمه الله – بالتشدد إلا أصحابك وشيوخك، ممن يريدونه أن يسكت عن أحاديث تروج لبدعهم ؛ في التوسل أو الزيارة أو الاستغاثة .
16- قال اللكنوي ( ص 196 ) من الكتاب السابق: " قال محمد بن عبدالرسول بن عبدالسيد البرزنجي المدني في "الإشاعة في أشراط الساعة" .. " . ولم يُعدل أو يُعلق أبوغدة على هذه الأسماء المُعبدة لغير الله !
17 – طبع أبوغدة رسالة لشيخ الإسلام بعنوان : " رسالة الألفة بين المسلمين " ، قال في مقدمتها ( ص 19 ) : ( وقد وقفت في مجموعة الرسائل المنيرية على رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعنوان " خلاف الأمة في العبادات ومذهب أهل السنة والجماعة " ) . ولكنه يحشر الأشاعرة في هذه الألفة ! ( انظر ص 18 ) ، وشيخ الإسلام إنما يعني بها أهل السنة .
18- نشره لرسالة أحد رؤوس الصوفيه ( الحارث المحاسبي ) الذي حذر منه الإمام أحمد – رحمه الله - ، موافقًا قول مقدم رسالته القائل ( ص 8 ) : ( والتصوف الإسلامي تربية علمية وعملية للنفوس ، وعلاج لأمراض القلوب ... – الخ مديحه - ) . ولا أظن مسلمًا الآن يجهل انحراف الصوفية – جميعًا – غاليهم ومعتدلهم – عن السنة ، فلماذا إحياء هذه الكتب التي تؤصل البدع في الناس ؟ إن كان مافي التصوف قد جاء به الإسلام ، فنحن في غنىً عنه ، وإن كان لم يأتِ به ، فلا خير لنا فيه ! والله الموفق .
( إعداد وجمع : سليمان الخراشي ) .
2- الشيخ طاهر الجزائري :
http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6540 (http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6540)
3- عبدالرحمن الكواكبي :
http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6542 (http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6542)
4- تابع : السنهوري :
http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6541 (http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6541)
1- أبوغدة :
هو الشيخ عبدالفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبوغدة ، ولد في مدينة حلب ، في 17 رجب 1335 الموافق 9 مايو 1917 م .
- بعد تخرجه من الثانوية الشرعية، رحل إلى مصر عام 1364/1944 للدراسة في الأزهر ، فالتحق بكلية الشريعة ودرس فيها في القترة ما بين 1364-1368/ 1944-1948، ثم تابع دراسته فتخصص في علم النفس أصول التدريس في كلية اللغة العربية في الأزهر أيضاً ، وحاز على شهادتها سنة 1370/1950م .
- وقد تتلمذ على الشيخ زاهد الكوثري رأس الجهمية في هذا العصر ، وكانت له مكانة عند أبي غدة ، سمى لأجلها أحد أبنائه باسمه . بل قال أحمد خيري في ترجمته للكوثري – معددًا تلاميذه – ( ص 68 ) : ( بلغ من شدة تعلقه به أن نسب نفسه إليه ؛ فهو الشيخ عبدالفتاح أبوغدة الحنفي الكوثري ) .
- وبعد أن أكمل أبوغدة دراسته في مصر ، عاد إلى سورية ، وعمل مدرسًا لمادة التربية الإسلامية أحد عشر عاماً في عدد من ثانويات حلب، ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة في جامعة دمشق، ودرّس فيها لمدة ثلاث سنوات "أصول الفقه" و"الفقه الحنفي" و "الفقه المقارن بين المذاهب" .
- التحق بجماعة الإخوان في سوريا ، وتدرج إلى أن أصبح أمينها العام .
-ثم لجأ إلى السعودية ، فعمل مدرسًا بجامعة الإمام ، وغيرها ، إلى أن توفي في شهر شعبان 1417/ديسمبر1996م .
-اشتهر بتحقيق الكتب ، وتحقيقاته – على دقتها - تتمحور حول بعث كتب متعصبة الأحناف – من علماء الهند خاصة –، في كتب أئمة الحديث غنية عنها .
أقوال العلماء فيه :
1-رد الشيخ حمود التويجري على كتابه " فتنة خلق القرآن .. " ، بكتاب مفيد ، عنوانه " تنبيه الإخوان على الأخطاء في مسألة خلق القرآن " ، قال في مقدمته ( ص 5 ) : " أمابعد : فقد رأيتُ رسالة للشيخ عبدالفتاح أبي غدة ، سماها " مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل " . وفي هذه الرسالة أقوالٌ غير مقبولة ، بل فيها أقوالٌ من أقوال الجهمية . ولما كانت هذه الأقوال قد تخفى على بعض طلبة العلم ، رأيتُ أنه يتأكد التنبيه عليها ؛ لئلا يغتر بها بعضهم .. " .
وقال ( ص 35 ) : " وفي صفحة 9 وصفحة 10، نقل المؤلف عن الشوكاني أنه قال: "ومسألة الخلاف في كلام الله وإن طالت ذيولها وتفرق الناس فيها فرقاً ، وامتحن بها من امتحن من أهل العلم ، وظن من ظن أنها من أعظم مسائل الدين، ليس لها كبير فائدة، بل هي من فضول العلم".
وأقول : لا يخفى ما في هذا الكلام من الغض من كلام الإمام أحمد وغيره من أكابر العلماء في الرد على الجهمية ، وتكفيرهم والتحذير من فتنتهم ، والأمر بهجرهم ومجانبتهم. ولو كان الأمر على ما توهمه الشوكاني لما كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يصبر على الحبس الطويل والضرب الشديد ومراغمة الملوك الجبابرة، وكذلك أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، قد بذل نفسه للقتل في سبيل الدفاع عن القرآن والرد على من زعم أنه مخلوق. وكذلك نعيم بن حماد ، والبويطي ، ومحمد بن نوح .. " .
وقال ( ص 59 ) : " إن إنكار المؤلف على مسلمة بن قاسم يدل دلالة واضحة على أن المؤلف يرى صحة ما أنكره مسلمة بن قاسم على الذين فرقوا بين ما في اللوح المحفوظ من القرآن وبين ما في أيدي الناس منه ، فجعلوا الذي في اللوح المحفوظ كلام الله تعالى ، وجعلوا ما في أيدي الناس مخلوقاً. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف وسماه تمييزاً هو مذهب السوء في الحقيقة ، وهو من أقوال الجهمية، ولو أن المؤلف اقتصر على كلام الحافظ ابن حجر لكان على الصواب، لأن الحافظ ابن حجر قد فرق بين المداد والورق والكاتب والتالي وصوته ، وبين كلام الله تعالى الذي يتلوه التالي بصوته ويكتبه الكاتب بالمداد على الورق، فصرح الحافظ ابن حجر أن أفعال العباد مخلوقة وأن كلام الله غير مخلوق. وفي الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها دليل لما قاله الحافظ ابن حجر، وفيها أيضاً أبلغ رد على ما ذهب إليه المؤلف وشيخه الكوثري فلتراجع.
وقبل الختام أرجو أن يتأمل أبو غدة ما نقلته عن الإمام أحمد والبخاري وغيرهما من أكابر العلماء الذين تقدم ذكرهم. ولعله بعد التأمل يراجع الحق ويطرح الآراء المخالفة لما كان عليه أهل السنة والجماعة " .
2- قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ، لابن أبي العز ( 49-60 ) : رادًا على أبي غدة : " هو الشيخ عبدالفتاح أبو غدة الحنفي الحلبي، المعروف بشدة عدائه لأهل السنة والحديث، لاسيما في بلده (حلب)، حين كان يخطب على منبر مسجده يوم الجمعة، ويستغله للطعن في أهل التوحيد المعروفين في بلده -بالسلفيين- خاصة، وفي أهل التوحيد السعوديين وغيرهم ، الذين ينبزهم بلقب الوهابية عامة، ويعلن عداءه الشديد لهم، ويصرح بتضليلهم بقوله: "إن الاستعانة بالموتى من دون الله تعالى وطلب الغوث منهم جائز، وليست شركاً، ومن زعم أنها شرك أو كفر فهو كافر " ! ويتهمهم جميعاً بشتى التهم، التي كنا نظن أن أمرها قد انتهى ودُفن، لأن الناس قد عرفوا حقيقة أمرهم، وأن دعوتهم تنحصر في تحقيق العبادة لله تعالى، وإخلاص الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأبي غدة هذا، يتجاهل كل ذلك، ويحيي ما كان ميتاً من التهم حولهم، ويلصقها بهم، بل ويزيد عليها ما لم نسمعه من قبل، فيقول من على المنبر: "إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يُذكر اسم محمد صلى الله عليه وسلم" !! - سبحانك هذا بهتان عظيم - ، إلى غير ذلك من التهم الباطلة مما سمعه منه أهل بلده الذين حضروا خطبه بذلك، وغيره مما جاء في التعليق على كتاب الأستاذ الفاضل فهر الشقفة: "التصوف بين الحق والخلق" (ص 220) الطبعة الثانية، وهذا موافق تماماً لما قاله متعصب آخر مثله، من حملة الدكتوراه في كتاب له: "ضل قوم لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته".
فهل هذا توافق غير مقصود بذاته من هذين المتعصبين ؟ وإنما التقيا عليه بجامع الاشتراك في الحقد على أهل السنة ومعاداتهم، دون اتفاق سابق بينهما على اتهامهم بهذه التهمة الباطلة التي نخشى أن يكونا أحق بها وأهلها ؟ أم الأمر كما قال تعالى: ( أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) ؟
فلما كتب الله على البلاد السعودية أن يكون أبو غدة مدرساً في بعض معاهدها كتم عداءه الشديد إياهم ولدعوتهم، وتظاهر بأنه من المحبين لهم، لسان حاله ينشد:
ودارهم ما دمت في دارهم
وأرضهم ما دمت في أرضهم !
ودعم ذلك بقيامه على طبع بعض كتب الحديث والتعليق عليها، وأحدها من كتب الإمام ابن القيم، ويزين بعضها بالنقل عنه وعن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى ، ولكنه في الوقت نفسه لا يتمالك من النقل عن عدوهما اللدود وعدو أهل الحديث جميعاً، بل والإكثار عنه، ألا وهو المدعو زاهد الكوثري، الذي كان -والحق يقال- على حظ وافر من العلم بالحديث ورجاله، ولكنه -مع الأسف- كان علمه حجة عليه ووبالا ؛ لأنه لم يزدد به هدى ونوراً، لا في الفروع ولا في الأصول، فهو جهمي معطل، حنفي هالك في التعصب، شديد الطعن والتحامل على أهل الحديث قاطبة، المتقدمين منهم والمتأخرين.
فهو في العقيدة يتهمهم بالتشبيه والتجسيم، ويلقبهم في مقدمة "السيف الصقيل" (ص5) بالحشوية السخفاء، ويقول عن كتاب "التوحيد" للإمام ابن خزيمة: " إنه كتاب الشرك"! أو يرمي نفس الإمام بأنه مجسم جاهل بأصول الدين!
وفي الفقه يرميهم بالجمود وقلة الفهم، وأنهم حملة أسفار(!)
وفي الحديث طعن في نحو ثلاثمائة من الرواة أكثرهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظاً، وجماعة من الأئمة الفقهاء، كمالك والشافعي وأحمد، ويصرح بأنه لا يثق بأبي الشيخ ابن حيان، ولا بالخطيب البغدادي ونحوهما! ويكذب الإمام عبدالله ابن الإمام أحمد بن حنبل المتفرد برواية "المسند" عن أبيه، وكأنه لذلك لا يعتبره من المسانيد التي ينبغي الرجوع إليها، والاعتماد عليها ، فيقول في كتابه "الاشفاق على أحكام الطلاق" (ص 23 طبع حمص) :
"مسند أحمد على انفراد من انفرد به ليس من دواوين الصحة أصلاً" ثم قال (ص 24): "ومثل مسند أحمد لا يسلم من إقامة السماع والتحديث مقام العنعنة، لقلة ضبط من انفرد برواية مثل هذا المسند الضخم"! ثم هو يصف الحافظ العقيلي بقوله: "المتعصب الخاسر" .
وبالجملة فقل من ينجو من الحفاظ المشهورين وكتبهم من غمز ولمز هذا المتعصب الخاسر حقاً ؛ مثل ابن عدي في "كامله" والآجري في "شريعته" ! وغيرهما.
وهو إلى ذلك يُضعّف من الحديث ما اتفقوا على تصحيحه، ولو كان مما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" ، دون علة قادحة فيه، وقد سبق ذكر بعض ما ضعفه منها، وعلى العكس من ذلك ؛ فهو يصحح انتصاراً لعصبيته المذهبية ما يشهد كل عارف بهذا العلم أنه ضعيف بل موضوع، مثل حديث "أبو حنيفة سراج أمتي" ! إلى غير ذلك من الأمور التي لا مجال لسردها، وبسط القول فيها الآن. وقد رد عليه وفصّل القول فيها بطريقة علمية سامية، وبحث منطقي نزيه، العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني في كتابه "طليعة التنكيل" ، ثم في كتابه الفذ العظيم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، فليراجعهما من شاء الوقوف على حقيقة ما ذكرنا، فإنه سيجد الأمر فوق ما وصفنا. والله المستعان.
هذا شيء من حال الكوثري، وأبو غدة -دون شك- على علم بها، لأنه إن كان لم يتعرف عليها بنفسه من بطون كتب الكوثري التي هو شغوف بمطالعتها - وهذا أبعد ما يكون عنه – فقد اطلع عليها بواسطة رد العلامة اليماني عليها رداً عليماً نزيهاً كما سبق.
وإن تعليقات أبي غدة الكثيرة على الكتب التي يقوم بطبعها، والنقول التي يودعها فيها من كلام الكوثري كل هذا وذاك ؛ ليدل دلالة واضحة على أنه معجب به أشد الإعجاب، وأنه كوثري المشرب. وكيف لا ؟ وهو يضفي عليه الألقاب الضخمة، التي لا يطلقها عليه غيره، فيقول: "العلامة المحقق الإمام" (ص68) من التعليق على "الرفع والتكميل". بل يقول قبيل مقدمته عليه: "الإهداء : على روح أستاذ المحققين الحجة المحدث الفقيه الأصولي المتكلم النظار المؤرخ النقاد الإمام" !! "وقد بلغ من شدة تعلقه به أن نسب نفسه إليه فهو الشيخ عبدالفتاح أبو غدة الحنفي الكوثري" ، وأن سمى ابنه الكبير باسم: زاهد، تبركاً به وإحياء لذكره! فهو إذن راض عنه وعن أفكاره وآرائه مائة في المائة! فهو مشترك معه في تحمل مسؤولياتها. ويؤكده أنه لم يُبد أي نقد أو اعتراض في شيء منها في أي تعليق من تعليقاته الكثيرة، بل هو متأثر به إلى أبعد حد، فإنك تراه بينما هو يضفي عليه ما سبق من الألقاب الضخمة، يضن على شيخ الإسلام ابن تيمية ببعضها، فهو إذا ذكره لا يزيد على قوله: "الشيخ ابن تيمية" (ص55، 60- الرفع والتكميل)، مع الاعتراف بأننا لا ندري على وجه اليقين بقصده بـ"الشيخ" هنا، هل يعني في العلم والفضل، أم في العمر والسن، أم في الزيغ والضلال !! وكان المفروض أن لا نتوقف في حمله على المعنى الأول، ولكن منعني من ذلك علمي أن أبا غدة "كوثري" كما عرفت، والكوثري يرمي ابن تيمية في كثير من تعليقاته بالزيغ والضلال! بل لقد قال في كتابه "الاشفاق" (ص 89): "إن كان ابن تيمية لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام" ! وغالب ظني أن هذه الكلمة - وأبو غدة متأثر بها قطعاً لأنها من شيخه "أستاذ المحققين الحجة.." – هي السبب في اقتصار أبي غدة على لفظ "الشيخ ابن تيمية" دون "شيخ الإسلام" ؛ لأنه لو فعل لكان عاقاً لشيخه وذلك ما لا يكون منه إلا أن يشاء الله هدايته! أقول هذا مع علمي أنه أطلق مرة هذا اللقب عليه في تعليقه على "الأجوبة الفاضلة" (ص 92)، فإن كان ذلك عن اعتقاد منه بما كتب ورام، ولم يكن منه رمية من غير رام، ولا على سبيل ما يعتقده الناس في بلد إقامته المؤقتة "الرياض" ، ولا من قبيل الزلفى به إليهم، أو غير ذلك من الاحتمالات التي قد تخطر في البال، فيكون أبو غدة بإطلاقه المذكور، قد أعلن براءته من شيخه الكوثري في كلمته السابقة. فلعل عنده من الشجاعة الأدبية ما يتجرأ به على أن يعلن صراحة أنه كتب ذلك عن قناعة واعتقاد فقط، وأن ابن تيمية رحمه الله هو شيخ الإسلام حقاً. وأن كلمة شيخه الكوثري المتقدم في رد ذلك هو كافر بها ومتبرئ منها، فإن فعل، وذلك مما أشك فيه، سألت الله لنا وله التثبيت!
ومهما يكن قصد أبي غدة من قوله" الشيخ ابن تيمية"، فالذي لا نشك فيه أنه تلميذ الكوثري حقيقة ومذهباً. وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون سلفي المذهب في التوحيد والصفات، كما كان عليه ابن تيمية وابن القيم وابن عبدالوهاب، رحمة الله عليهم، لأن شيخه الكوثري يعاديهم في ذلك أشد المعاداة، وقد قدمت إليك بعض ما رماهم به من التهم كالتجسيم وغيره، ومن نسبته ابن تيمية خاصة إلى الكذب والخيانة في النقل! مما يدل على أنه ألد أعداء أهل السنة والحديث إطلاقا في العصر الحاضر.
وإذا كان كذلك، فأبو غدة عدو لدود أيضاً لهم، ولا يمكن أن يكون غير ذلك؛ وهو يضفي تلك الألقاب الضخمة عليه ، فإلى أن يتبرأ من شيخه في معاداته تلك لأهل السنة، فهو ملحق به. وليس هذا مما ينافي قوله تعالى: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) .
كلا، وإنما هو من باب المؤاخذة على اعترافه بأنه كوثري، وبعلمه بانحراف شيخه وطعنه في أهل السنة وأئمة الحديث والفقه ، وغير ذلك من مخازيه التي منها مطاعنه العديدة في شيخ الإسلام ابن تيمية ، حتى لقد قال -عامله الله بما يستحق-: "ولو قلنا لم يُبل الإسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود والنصارى.. " !! "الإشفاق" (ص 86).
إن أبا غدة يعلم هذا وغيره مما ذكرنا ، وما لم نذكره عن شيخه الكوثري، ولم نره يتعقبه في شيء من ذلك إطلاقاً، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أنه مع شيخه في عدائه لأهل السنة والحديث، وإلا فليعلن براءته منه جملة وتفصيلا، فإن فعل - وما إخاله – أخذنا بظاهر كلامه، ووكلنا سريرته إلى ربه سبحانه وتعالى.
وبعد هذا كله: أليس لنا أن نتساءل : إذا كان أبو غدة بهذا البعد عن أهل السنة والتوحيد تبعاً لشيخه الكوثري، حتى كان يعلن في حلب تكفير القائلين بأن الاستغاثة بغير الله كفر، كما سبق، فكيف طاب له المقام في البلاد السعودية هذه السنين حتى الآن، وهو يعلم أنهم هم الذين كان يعنيهم أصالة بتكفيره المذكور؟ فهل رجع هو عن تكفيرهم ، وعن القول بجواز الاستغاثة بغير الله، إلى القول الذي كان ينقمه عليهم: إن الاستغاثة كفر. وبذلك حصل الوئام، فطاب له المقام؟
فأقول: الجواب في قلب أبي غدة، ولكن الذي نعلمه عنه هو ما سبق ذكره، ومن القواعد الأصولية المقررة عند الحنفية وغيرهم ؛ قاعدة استصحاب الحال إلا لنص، ولما كان لا نص لدينا برجوع أبي غدة عن تكفيره المذكور، فالواجب علينا البقاء على ما نعلمه عنه، وعلى ذلك فلم يحصل الوئام المزعوم، لأن السعوديين –وخصوصاً أهل العلم منهم - لا يزالون - والحمد لله- محتفظين بعقيدتهم في التوحيد، محاربين للشركيات والوثنيات، التي منها الاستغاثة بغير الله تعالى من الأموات، فكيف إذن طاب له المقام بين ظهرانيهم؟
الذي أتصور أنه لم يكن بينهم كما يجب أن يكون "المربي الناصح الرشيد"! يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويبين لهم أن ما أنتم عليه من أمور منكر وضلال، منها إنكار قولهم: إن الاستغاثة بغير الله تعالى كفر، فإنه لو فعل، لكان أمر من ثلاثة أمور: إما أن يقنعهم بضلالهم، بخطبة نارية يلقيها هناك، كما كان يفعل في بلده (حلب)، وهذا مستحيل.
وإما أن يقنعوه هو بضلاله ، بما عندهم من حجج ناطقة وأدلة قاطعة من كتاب الله وسنة رسوله، وهذا بعيد!
وإما أن تكون الثالثة ولا بد، وهي .. إلا أن يشاء الله تعالى.
ولما كان يعلم بأن النتيجة هي ما أشرنا إليه، وكان يستحب البقاء بين أظهرهم، لسبب لا يخفى على القارئ اللبيب، آثر أن يظل بينهم كأي إنسان آخر ليس له هدف إلا .. على حد قول الشاعر:
ودارهم ما دمت في دارهم
وأرضهم ما دمت في أرضهم !
ولا يستغربن هذا أحد ممن يحسنون الظن بأبي غدة، ولم يعرفوا حتى الآن عقيدته، فإن لدي البرهان القاطع على ما نسبت إليه من المداراة ، ولم أقل: المداهنة!
لقد قال في مطلع تقريره الجائر ما نصه: "يرى الناظر في شرح الطحاوية أن الشارح لها من أهل التوثق والضبط والإتقان فيما ينقله من الأحاديث الشريفة وغيرها.. بعبارة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، وبإمامة ملموسة مشهورة".
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمناً حقاً بهذه الإمامة الملموسة المشهورة ؛ فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلب مخلص فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد -مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
المسألة الأولى: قال الإمام (ص 125): "وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث". قلت: وهذا الإطلاق هو مما يدندن به شيخه الكوثري في تعليقاته، ليتوصل إلى نفي حقيقة الكلام الإلهي المسموع. وراجع له "شرح الطحاوية" (ص 168- 188) و" التنكيل" (2/ 360- 362).
المسألة الثانية: قال الإمام تبعاً لأبي جعفر الطحاوي (ص 168): وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أن كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق كلام البشرية".
ثم شرح "الإمام" مذاهب الناس في مسألة الكلام الإلهي على تسعة مذاهب وبين أن مذهب السلف: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأنه يتكلم بصوت.
وشيخ أبي غدة ينفي الصوت المسموع (مقالات الكوثري ص 26)، ويقول في تعليقه على "كتاب البيهقي": "الأسماء والصفات" (ص 194)" إن موسى عليه السلام لما كلمه الله تعالى تكليماً لم يُسمعه صوته، وإنما أفهمه كلامه بصوت تولى خلقه من غير كسب لأحد...."!
المسألة الثالثة: قال "الإمام" (ص 280) تبعاً للطحاوي: "وهو (تعالى) مستغن عن العرش وما دونه، ومحيط بكل شيء وفوقه" ، والكوثري لا يؤمن بفوقية الله تعالى على خلقه حقيقة كما كما يليق بجلاله، بل إنه ينسب القائلين بها من الأئمة إلى القول بالجهة والتجسيم!
المسألة الرابعة: يُثبت الإمام "الفوقية المذكورة بأدلة كثيرة جداً، في بعضها التصريح بلفظ "الأين" الذين سأل به رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية ليتعرف على إيمانها". وشيخك يا أبا غدة يُنكر مثل هذا السؤال تبعاً لتشكيكه في صحة الحديث كما سبق (ص27)، فهل تؤمن أنت بهذا الحديث، وتجيز هذا السؤال الذي سأله الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!
المسألة الخامسة: يقول "الإمام" تبعاً للأئمة : مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة: "إن الإيمان هو تصديق الجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وقالوا: يزيد وينقص".
وشيخك تعصباً لأبي حنيفة يخالفهم ، مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح رضي الله عنهم، بل ويغمز منهم جميعاً مشيراً إليهم بقوله في "التأنيب" (ص44- 45) إلى "أناس صالحون" يشير أنهم لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه، وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم، ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة، وإنه الحق الصراح. وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون (!) هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص. وقد نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفه، في التعليق على "الرفع والتكميل" (ص 67- 69)، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجداً به ومكبراً له بقوله ( ص218):
"وانظر لزاماً ما سبق نقله تعليقاً فإنك لا تظفر بمثله في كتاب" ، ثم أعاد الإشارة إليه (ص 223) مع بالغ إعجابه. وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح- مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم ، الذين ذهبوا إلى: أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي (5/129)، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركناً أصلياً، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقاً، بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: "وبقوله: الإيمان يزيد وينقص" كما في "البحر الرائق" – "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع شرح الطحاوية (ص 338- 360)، و"التنكيل" (2/ 362- 373) الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة.
وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يُقال في الخلاف المذكور في المسألة أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم -ولو كان فاسقاً فاجراً-: أنا مؤمن حقاً، ينافي مهما تكلفوا في التأويل التأدب مع القرآن ، ولو من الناحية اللفظية على الأقل الذي يقول: ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً ) . فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من هو المؤمن حقاً عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقاً عند هؤلاء؟!
المسألة السادسة: ذهب "الإمام" شارح الطحاوية (ص 351) إلى جواز الاستثناء في "الإيمان" وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. على تفصيل في ذلك بينه، والحنفية يمنعون منه مطلقاً، بل إن طائفة منهم ذهبوا إلى تكفير من قال ذلك، ولم يقيدوه بأن يكون شاكاً في إيمانه، ومنهم الاتقاني في "غاية البيان"، وصرح في "روضة العلماء" (من كتبهم) بأن قوله "إن شاء الله" يرفع إيمانه، فلا يجوز الاقتداء به (يعني في الصلاة). وفي "الخلاصة" و"البزازية" في كتاب النكاح، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل: من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه. قال الشيخ أبو حفص في "فوائده": لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا، ولكن يتزوج بنتهم. زاد في "البزازية" تنـزيلاً لهم منـزلة أهل الكتاب. كذا في "البحر الرائق" (2/51) !!
المسألة السابعة: ذهب شارح الطحاوية (ص 236-239) تبعاً لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم.
وهذا مما خالف فيه الكوثري إمامه أبا حنيفة رحمه الله تعالى، اتباعاً لأهواء العامة، ونكاية بأهل السنة. كما يعلم ذلك من اطلع على رسالته "محقق التوسل" وغيرها. وقد كنت بينت شيئاً من تعصبه واتباعه لهواه في محاولة تقويته إسناد حديث في التوسل، فيه من هو ضعيف عنده، كما هو مشروح في الجزء الأول من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (24)، فليراجعه من شاء.
قلت: فهذه سبع مسائل هامة، كلها في العقيدة، إلا الأخيرة منها، قد وجهتها إلى أبي غدة ، الذي تظاهر بالثناء على شارح "الطحاوية"، ووصفه بأنه صاحب "إمامة ملموسة مشهورة"، فإذا أجاب بمتابعته له فيها- وهذا ما أستبعده على كوثريته - فالحمد لله. وإن خالفه فيها، وظل على كوثريته. فقد تبين للناس- إن شاء الله تعالى- أن ثناءه على شارح "الطحاوية" (الإمام)، لم يكن عن اعتقاد وثقة به كما زعم، وإنما ليتخذه سلماً للطعن بمخرج أحاديثه، والإ كيف ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء ، بل الضلالات السبع بزعمه تبعاً لشيخه الكوثري، وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع منها، وينتقدني شاكياً إلى بعض رؤسائه أو المسؤولين هناك - في أمور- لو صح نقده فيها لا تكاد تُذكر تجاه تلك، كماً ولا كيفاً؟!
وليت شعري ما الذي منع أبا غدة، إذا كان لديه من الانتقادات عدة، حول هذا الكتاب أو غيره من مؤلفاتي، أن يفضي بها إليّ مباشرة حينما كنا نلتقي مرات في أشهر العطلة الصيفية، في المكتب الإسلامي، بدل أن يغافلني، ويرفع ذلك التقرير الجائر خلسة دون علمي ، أو علم صديقه صاحب المكتب الإسلامي، ترى ماذا يقول عامة الناس فضلاً عن خاصتهم فيمن كان هذا صنيعه مع أخيه؟! فإن قالوا فيه: إنه ... فلا يلومن إلا نفسه، وعلى نفسها جنت براقش، وصدق الله العظيم القائل: ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) .
3-وصنّف الشيخ بكر أبوزيد – رحمه الله –رسالته " براءة أهل السنة " ، لبيان بعض قبائح الكوثري شيخ أبي غدة ، وعدوانه على الأئمة من أهل السنة ، وقدّم لها سماحة الشيخ ابن باز – رحمه الله - ، بهذه المقدمة :
" من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إِلى حضرة الأَخ المكرم صاحب الفضيلة العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أَبو زيد وكيل وزارة العدل. لازال مسدداً في أَقواله وأَعماله, نائلاً من ربه نواله, آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أَما بعد: فقد اطلعت على الرسالة التي كتبتم بعنوان: ( براءة أَهل السنة, من الوقيعة في علماء الأُمة ) ، وفضحتم فيها المجرم الآثم, محمد زاهد الكوثري بنقل ما كتبه من السَّبِّ, والشَّتم, والقذف لأَهل العلم والإِيمان, واستطالته, في أَعراضهم وانتقاده لكتبهم إِلى آخر ما فاه به ذلك الأَفَّاك الأَثيم, عليه من الله ما يستحق, كما أَوضحتم أَثابكم الله تعالى تعلُّق: تلميذه الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة به, وولاءه له, وتبجحه باستطالة شيخه المذكور في أَعراض أَهل العلم والتُّقَى, ومشاركته له في الهمز واللمز, وقد سبق أَن نصحناه بالتبرئ منه, وإِعلان عدم موافقته له على ما صدر منه, وأَلححنا عليه في ذلك, ولكنه أَصر على موالاته له هداه الله للرجوع إِلى الحق, وكفى المسلمين شره وأَمثاله. وإِنا لنشكركم على ما كتبتم في هذا الموضوع ونسأَل الله أَن يجزيكم عن ذلك خير الجزاء, وأَفضل المثوبة لتنبيه إِخوانكم إِلى المواضع التي زلت فيها قدم هذا المفتون -أَعني: محمد زاهد الكوثري-. كما نسأَله سبحانه أَن يجعلنا وإِياكم دعاة الهدى, وأَنصار الحق إِنه خير مسئول, وأَكرم مجيب . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
-قال الشيخ بكر ( ص11 ) عن تحقيق أبي غدة لكتابي " الرفع والتكميل " ، و " الأجوبة الفاضلة " للكنوي : " وَكُلُّ واحدٍ منهما يمثل رسالة بقدر بسطة اليد, ولو وضعت في ظرف لوسعها, لكن صار نفخهما بتكبير الحرف, وإِطالة التعليقات .. " وأنه : " أَثقلها بالحواشي التي شدت على هذا الانتصار بتجسيد المذهب الحنفي, والتمشعر, حتى امتلأَت بهذه النصرة خاصرتا حواشيه بما يشهد الناظر فيها أَن هذه هي الروح التي تموج في جسم تلك الحواشي من رأْسها إِلى عقبها, مع ما فيها من المحامل البعيدة والمغامز, والتَّذَرُّع بكلام الشيخين: ابن تيمية, وابن القيم - رحمهما الله تعالى - في مواضع, في ضروب من التعسف بالاستدلال واجتراء النقول, والحط عليهما حيناً, ونقل كلام خشن في حقهما أَحياناً, وانتقاد مسلكهما. إِلى آخر ما أَفْضَتْ إِليه النوبة عن شيخه بقلمه الهماز في هذا المَهْيَع .. – ثم ذكر أمثلة لذلك ستأتي في ختام المقال إن شاء الله – " .
-وقال الشيخ بكر ( ص14 ) : " كسكوته في حواشيه على الأَحاديث التي تعالج المشرب الخلفي, ولو كانت مرفوضة سنداً مثل: ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) " .
-وقال (ص 15 ) : " كما تابع شيخه في التنقص من أَمير المؤمنين الإِمام البخاري صاحب الصحيح -رحمه الله تعالى- في: مبحث الإِرجاء " .
وقال الشيخ بكر ( ص 31 – 33 ) - بعد أن نقل شيئًا من انحرافات الكوثري وعدوانه - : " فهذا التلميذ الوفي لتلكم المشارب الكدرة: يزنه بميزان علماء السلف, مع ما رأْته عينك الباصرة في هذه النماذج من فحش القول وقبحه, والتبرقع بالصفاقة, والحماقة, وبث الرِّيَب, وتنزيل السباب والشتائم . وهذا التلميذ أَثقل رسائله, وتعليقاته بالنقل عنه بما يزيد عن مائة وعشرين مرة -بما يمثل مجموعة مجلدة مستقلة مستغفلاً لعباد الله كأَنه يصيح بها في وادٍ لا يُنْبِتُ إِلا أَغفالاً شربوا من تلك الأَرض. من عمل (جُلَّق). كل هذا يسوقه بقلم الحفاوة والرضا, أَليس هذا هو عين المساوقة في: الاعتقاد والرضا؟ وهذا التلميذ صار من أَجله (سَمَرياً) يجمع ما يحسبه ناهضاً لمشاربه الكدرة وجل الاستدلالات منها كأَحاديث السُّمَّار لا يهم السامر صدقاً كانت أَم كذباً, وعند التحقيق فالذي يسوقه: نصف ليس له, ونصف عليه, فبماذا يتسلى المفلسون؟ والمسكين بقدر ما احترق في (الكوثري), تهالك في مشاربه, لكن الشيخ ينشرها عن طريق الفظاظة والمجاهرة, والسرف والمناكدة, لأَنه في إِقليم يسمح له بذلك, والتلميذ تحت وطأَة الإِقليم, والعيش الرغيد، ينشرها بكلمات يلف حبلها على غاربها عن طريق النقل المجرد, وترك النص بلا تعليق, ومسلك التشذيب لمدرسة أَهل الحديث بالشد على مسلك مدرسة الرأْي في القديم والحديث . فهو في المحاماة عن شيخه ومشاربه: وكيل جَلْد. إِنه بهذا الرضا الفضفاض, وهذه الحفاوة البالغة, وحال الرجل كما أَشرت, وفوق ما وصفت في اتجاهاته العقدية, والمذهبية, والتلميذ مثل بهذا العناء وحمله ونشره, فإِن حواشيه (زاملة هذه المشارب) تحمل مخاطر عظيمة على أُصول الحديث ومصطلحه, مكدرة صفوها, مائلةً بها إِلى مسار مدرسة معينة؟ وهذا إِخسار في الميزان, والله تعالى يقول: ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) , ولن يبلغ السادرون في العصبية مأْربهم, وإِن أَكل البَغَض قلوبهم, والله من ورائهم محيط. فيا أَيها الراغب في السنة: اعتبر اعتبار أُولي الأَبصار, وكن من كتب عصبة التعصب على تَقِيَّة, فإِنها ليست بِنَقِيَّةٍ, وفيها دَسَائس خَلَفية, وَتَبَصَّر أَي الفريقين أَحق بالأَمن من الهوى وغَلَبة العصبية ، واحذر العزو إِليها فإِن فوتها غنيمة, والظفر بها هزيمة " .
- وقال الشيخ بكر ( ص 41-42) – بعد أن بين أشعرية وقبورية أبي غدة – رادًا على السني المداهن لأهل البدعة ؛ من أمثال أبي غدة : " ومن قال: آخذ ما صفى, وأَدع ما كدر, قيل: هذا غير مقبول فيمن غلا وجفا, ونأَى عن الصدق والتُّقى, مع السكوت عن مسالكه في: التضليل والردى. والمعقود في: اعتقاد أَهل السنة والجماعة أَنه لا ولاء إِلا ببراء, فلا موالاة للسنة إِلا بالبراءة من البدعة, ولا موالاة لعلماء السنة وأَهلها, إِلا بالبراءة من علماء المبتدعة وحملتها, وهلم جرا. فالمنابذة مستحكمة, والرحم جَذَّاء بين السنة والفعلات الشنعاء, والنهي عن المنكر من واجبات الشريعة الغراء, وكل امرئ بقدر ما فيه يكون الولاء والبراء, ويناصح وينبه على خَطَئِهِ وخطله, على ضوء شريعة رب الأَرض والسماء, وأَيضاً فلم يجر هذا منه في حق أَعداد من العلماء, بل تحطط على الشيخين: ابن تيمية, وابن القيم, وغيرهما, وأَرشد إِلى صحائف تحمل السَّخَائم والردى. فهل يصدق من قال: بأَنه تائب من البدعة, وهو محتضن لحاملها, متنكر لمفترعها . فهذا العلامة المعلمي, المتوفى سنة 1386هـ - رحمه الله تعالى -: له جهود في خدمة السنة وعلومها, كما في (التنكيل) و(طليعته), وفي: تحقيقاته الحافلة في كتب في: الرجل, والأَنساب, والموضوعات, أَبدى يَراعُهُ فيها بَراعةً وَدُرَراً في أُصول التخريج, وقواعد الجرح والتعديل, في جهود انتشرت الاستفادة منها في كتب المعاصرين. ولم نر التلميذ يذكره بخير سوى مرتين, مرة لنقده, وأُخرى للتحجج به على بعض أَقرانه السلفيين؟ فبماذا يفسر هذا الهجران والتنكر لعالم سلفي؟ وبماذا تفسر تلك الحفاوة والاحتضان؟ نعم لا يجتمع الولوع بين المتضادين فكما لا يجتمع في قلب عبدٍ: حب القرآن وحب الغناء, فكذلك لا يجتمع حب السنة والبدعة, ولا حب السني والمبتدع . والذي في قبضته ولوعه بهذا البائس . قال العلامة محمد الخضر حسين - رحمه الله تعالى - في (رسائل الإِصلاح): (2 / 13): ( وكثيراً ما يقاس الرجل بأَصدقائه فإِن رآه الناس يصاحب الفساق والمبتدعين, سبق إِلى ظنونهم أَنه راضٍ عن الابتداع ولا يتحرج من الفسوق. وقد صرح بعض الشعراء أَنه ترك مودة رجل من أَجل أَنه يصاحب الأَراذل من الناس فقال:
يزهدني في ودك ابن مســاحق ** مودتك الأَراذل دون ذوي الفضل ) اهـ " .
وقال الشيخ بكر – رحمه الله – مبينًا تحريفات أبي غدة في نشره لعقيدة القيرواني :
) توظيفه التحريف لنص مقدمة الرسالة :
رأيت في إخراجه للنص تصرفات في ذات النص بالحذف في موضعين ص20-23
والتصرف بإبدال كلمة بإخرى في موضع واحد ص25
والزيادة من كيسه على النص في ستة مواضع ص33-38-41
تعلم ذلك بالمقابلة بين نص المقدمة الذي نقله وبين نص المقدمة في ( الرسالة ) ومع شروحها المطبوعة .
وقد قابلت النص الذي طبعه على نسخ الرسالة مفردة ومع شروحها المطبوعة .
ثم قال الشيخ : وبالمقابلة على متن مقدمة الرسالة في جميع هذه النسخ
وجدت أن جميع ماأشرت إلى مواضعه من تحريفاته بالحذف أو التغيير أو الزيادة كلها تحريفات من عنده ، وجميعها بالجملة تحمل نفساً مذهبياً وعصبية خلفية
نعم تورع في مقدمة الطبع فذكر أنه سيزيد ألفاظاً !
فحول هذه العقيدة من انتظامها العقدي لفرائض الإعتقاد إلى مذكرة فقهية في قالب اصطلاح مذهبه الفقهي بإقحامه ستة ألفاظ في ستة مواضع من كلام أبي زيد -رحمه الله -
منها ألفاظ ( فرض وواجب ومطلوب)!
وأمور الإعتقاد تجري على سياق واحد بأنها أصل الدين وقاعدته .
والفرض والواجب لافرق بينهما عند جمهور الفقهاء منهم مالك -رحمه الله - ، وابن أبي زيد مالكي المذهب ،والتفريق بينهما من مفردات مذهب الحنفية إذ الفرض عند الحنفية لماثبت بدليل قطعي ، والواجب لماثبت بدليل ظني و ،( المطلوب ) لماتردد بينهما
فلماذا هذا ؟؟ ( الردود ص459-460-461) .
- ومن تحريفاته للرسالة : حذفه من فاتحة المقدمة قول المؤلف رحمه الله :
(وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك ابن أنس -رحمه الله -وطريقته مع ماسهل سبيل ماأشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين) .
- وعند قول ابن أبي زيد رحمه الله ( ولايتفكرون في ماهية ذاته ) ( ص25)
حذف الكوثري الصغير كلمة ( مــــــــــــــاهية )
وأبدلها بكلمة ( حقيــــــــــقة ) !
وقال في التعليق : ( أي لايعلم أحد حقيقة ذات الله تبارك وتعالى ) !
فانظر الى المكر : حذف وزيادة وتغيير وتدليس وفرار من طريقة السلف ، وتلفيق مرفوض شرعاً ومسلكاً ،وهذه عادة شيخـــــــــــه الضال يسطو على كتب السلف ويحشــــــــــوها تعليقات مسمومة خبيثة .
- ومن تحريفات أبي غدة الكوثري في تعليقاته على ( التصريح بماتواتر في نزول المسيح ) لمحمد شاه
1- في التعليقة رقم ( 2) ( ص97) زيادة لم يقلها ابن حجر في (فتح الباري) !
2- في ( ص104-105) ذكر نقولاً عن الحافظ ابن حجر زاد في بعضها ونقص في البعض الآخر وغير في موطن ثالث !
3-في التعليق رقم 1( ص107) نقل عن النووي -رحمه الله -في شرح مسلم
فـــــــزاد عليه ونقص .؟
4- في التعليق رقم 2 ( ص110) نقل عن النووي أيضاً فغير في كلامه وتصرف .
ثم قال الشيخ بكر أبوزيد رحمه الله : ولقد سئمت من تتبع مخازي هذا المبتلى بالتحريف والتصرف في النقول ، فاكتفيت بالإشارة إلى ماوقع لي أنه حرف وتصرف فيه ليرجع إليه من شـــــــــــــاء ،والنتيجة أن هذا التلميذ لايوثق بعلمه ولابنقله )
( الردود ص240) .
4- وجاء في كتاب " التصوف بين الحق والخلق " للأستاذ محمد فهر شقفة ( ص 220-224) : " ومن خصوم أهل الحديث السلفيين في سورية الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ، فهو حبا في التقرب إلى العامة والغوغاء ليكسب عطفهم وتأييدهم... يعمد إلى الطعن في هؤلاء السلفيين حسداً وحقداً ، فقد خطب مرة في أحد مساجد حلب، فتطرق إلى الكلام على السلفيين فأسماهم (الوهابيين) تقليداً للعامة والرعاع ، وكان مما قاله: "إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يسمعون بذكر محمد صلى الله عليه وسلم " ! مما لا يجسر على القول به أكذب الناس ؛ لما يعلمه من مبلغ حب السلفيين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وسعيهم الحثيث لتقفي أثره والنهج حسب سنته والرجوع لمذهبه.
وآخر ما علمنا من افتراء الشيخ أبو غدة أنه يشيع بين أصحابه وزملائه في السعودية أن محدث الديار الشامية محمد ناصر الدين الألباني قد قرن الأحناف بالمجوس، ثم عدل عن المجوس إلى الكفرة ، يشير بذلك إلى ما جاء في تعليق الشيخ ناصر الدين الألباني على مختصر صحيح مسلم على حديث : "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم، فأمكم منكم"... قال ابن أبي ذئب في معنى : فأمكم منكم، فحكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم!
قال المعلق: "هذا صريح في أن عيسى عليه السلام يحكم بشرعنا، ويقضي بالكتاب والسنة، لا بغيرهما من الإنجيل أو الفقه الحنفي ونحوه (2/308).
والشيخ الألباني حفظه الله تعالى لا يقصد من هذا الجمع المساواة، ولكنه يرد بذلك على قول النصارى القائلين بأن المسيح يحكم عند نزوله بالإنجيل، كما يرد أيضاً على متعصبة الحنفية القائلين بأن المسيح يحكم عند نزولهم بمذهبهم كما جاء ذلك صريحاً في كتاب "الإشاعة في أشراط الساعة" للبرزنجي.
وأبو غدة يعرف يقيناً ماذا يقصده شيخنا بالكلام السابق، ولكنه الكيد والمكر والخديعة!! ولكن ما يفيده كل ذلك، وقد قال الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها، واوعى قرنه الوعل
ومن دلائل محاربة أبي غدة لأصحاب الحديث، أنه في تعليقاته على الشيخ علي القارئ رحمه الله حينما يأتي على ذكر شيخه زاهد الكوثري -وهو الحنفي المحروق والعدو اللدود لأهل الحديث - يشيد بوصفه، وحينما يأتي على ذكر ناصر السنة وقامع البدعة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بعلمه وإصلاحه، وأنقذ العالم الإسلامي من أوحال التعصب المذهبي وأدران التصوف والفلسفة يكتفي بقوله: قال الشيخ!!
مما يذكرنا بقوله الشاعر:
وليس قولك من هذا بصائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
هذا الذي تعرف (الفيحاء) وطأته
هذا التقي النقي الطاهر العلم
في الأصل البطحاء، وقد استعضنا عنها بفيحاء دمشق ؛ إشارة إلى انتصار الإمام ابن تيمية –رحمه الله- في المعركة التي وقعت بين المسلمين والتتار قرب دمشق مما قد ذكرنا لمحة عنها لما تكلمنا على مبحث الجهاد.
ومن الأدلة على محاربة عبد الفتاح أبي غدة للسنة : نشره وتحقيقه لرسالة الحارث المحاسبي الصوفي الذي نهى إمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله عن مطالعة كتبه ، وحتى عن مخالطته ، مما اضطره إلى الاختفاء بدار ببغداد ومات فيها ، مما ذكره الإمام ابن الجوزي في كتابه القيم "تلبيس إبليس" وذكره أبو غدة نفسه.. حيث نقل كلام الخطيب البغدادي في طعن الإمام أحمد بالحارث المحاسبي حيث قال عنه: "وكان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في علم الكلام وتصنيفه الكتب فيه، وبصد الناس عنه".
كما نقل الشيخ أبو غدة أيضاً كلام الخطيب البغدادي بسنده إلى سعيد بن عمرو البردعي قال: "شهدت أبا زرعة –وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب! إياك وهذه الكتب! هذه كتب بدع وضلالات! عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء ! هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم! يأتون مرة بالحارث المحاسبي - وعدّد أسماء بعض الصوفية - ، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع؟!
ثم قال أبو غدة: ويعلل الحافظ ابن رجب نهي أبي زرعة وأحمد وغيرهما عن مسلك الحارث المحاسبي تعليلاً آخر غير الذي أسلفناه ، فيقول رحمه الله تعالى في كتابه "جامع العلوم والحكم" ص 223.. "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق ، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي".
وعلى الرغم من هذه الشهادات المروعة في الحارث المحاسيبي، بالإضافة إلى الفضائح التي نسبها الإمام ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس".وبيانه فسادها وضلالها راح يذكر رواية الحافظ الذهبي بأن هجر الإمام أحمد له حتى مات في داره: "حكاية منقطعة"!
وماذ يفيد ذلك الحارث المحاسبي وأنصاره ما دام كلامه ظاهر البطلان واضح الابتداع، يوجب الشارع على كل مسلم مقاطعته ، كما هو مقرر من أوليات الشريعة؟!
وما يقول أبو غدة بكلام الإمام أبي زرعة والإمام ابن الجوزي والحافظ ابن رجب ؟
ومما قاله الشيخ أبو غدة في رسالة المحاسبي:
قال شيخنا الإمام (إمام الضلالة والسخف والتعصب المذهبي) محمد زاهد الكوثري رحمه الله ! لقد كان أثر الإمام المحاسبي على الغزالي كبيراً، لقد تبطن الغزالي كتاب "الرعاية" في كتابه "الإحياء".
ما جاء داخل القوس هو من كلامنا!
لقد كان هذا الأثر شؤماً على الغزالي أرداه حتى دخل بطون الفلاسفة ولم يستطع الخروج كما قال عنه الإمام القاضي ابن العربي رحمه الله، وكان كتاب "الإحياء" نفسه بسبب كتاب "الرعاية" وغيره شؤماً على المسلمين! وما أحسن ما قاله الإمام ابن الجوزي رحمه الله .
"... وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم -أي للمتصوفة- كتاب "الإحياء" على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة، وهو لا يعلم بطلانها! وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه ، وقال إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله عز وجل ، ولم يرد هذه المعروفات: وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه "المفصح بالأحوال": إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال !! من مشاهدة الصور إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق" (!!)
ثم قال الإمام ابن الجوزي عن كتاب الإحياء وغيره :وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة عملهم بالسنن والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم. ( تلبيس إبليس طبعة الوعي العربي ص 186) .
وكم أحسن أكثر علماء المغرب لما طالبوا أميرهم على بن يوسف بمصادرة كتاب "الإحياء" من المسلمين وإحراقه لما يحمل من بدع المتكلمين وضلالاتهم ، وأفتوا بعدم جوار قراءته بحال. وهكذا كان، فقد أمر هذا الأمير بجمع نسخ الإحياء فصب الزيت عليها وأحرقها في إحدى الساحات العامة. ( أبو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده باختصار ص 707 ) .
وقد جاء في هذا الكتاب المذكور بعد الصفحات السابقة أن الغزالي تأثر من حرق كتابه "الإحياء" ، فحرض بعض طلابه للخرافيين القساة على الرحيل إلى الأندلس ونزع الملك من الأمير علي بن يوسف انتقاماً منه مما كان من أسباب ضعف الأندلس أمام أعدائها الأسبان ، وهذا الحادث يضيف صفحة جديدة إلى سيئاته السياسية وموافقه الحربية المخزية! نعود إلى صلب الموضوع، فنقول:
هذا هو الحارث المحاسبي وتلك شهادات علماء السنة فيه مجمعين غير مختلفين.. وعلى الرغم من كل ذلك يعمد الشيخ أبو غدة لإحياء أثاره والإشادة بذكره فيقول ضارباً بكل وقاحة بآراء العلماء الأعلام السابقين عرض الحائط: "ومن أطيب ما ترك الأول للآخر آثار الإمام! الشيخ أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي الزاهد، الواعظ، الفقه المحدث!! المتكلم الناصح الأمين! الداعي! إلى الله بقلبه وقلمه، ولسانه، ونفسه...." ص 7.
ولم يكتف أبو غدة بهذا الثناء... بل راح يقول: هذا - وللشيخ أبي عبد الله المحاسبي نهج حسن طيب ، وهو أن تصوفه الذي دونه في كتبه راعى فيه ما جاء في الكتاب والسنة (!! ) وأقوال الصحابة وأعمالهم بحسب علمه وفهمه. ص 20
أستدرك على العبارة السابقة ما يلي:
أولاً: إما أن يكون الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لا يعرف الكتاب والسنة ؟ ما دام كبار الأئمة حذروا من المحاسبي لمخالفة سلوكه وأقواله للكتاب والسنة.
ثانياً: وإما أن يكون كلام أبي غدة شهادة زور لإغراء المسلمين بدراسة كتب المحاسبي ليزدادوا ضلالاًَ!
ومهما كان من هذين الاستدراكين، فقد أثبت المحاسبي جهلاً مريعاً وقلة فهم ، لما زعم أن تصوفه راعى فيه ما جاء في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأعمالهم ، مما نسبه إليه أبو غدة بأن كلامه وسلوكه وفق الكتاب والسنة.
ثم راح أبو غدة يغش المسلمين وينقل لهم النصيحة التالية للقشيري:
قال أبو عبدالله بن خفيف : اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا إليهم أحوالهم (!!) المحاسبي، والجنيد، ورويم... لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق(!) ص 21. وقد اطلع القراء فيما سبق على بعض آراء المحاسبي والجنيد المخالفة لأبسط مبادئ الإسلام.
أكتفى بهذا القدر من مناقشة بعض ما جاء في رسالة الحاسبي ، ولو أردنا التعقيب على كل ما جاء فيها من انحراف لاحتجنا إلى ضعف حجمها.
وننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من هذه الرسالة وهو موضوع تخريج أبي غدة لأحاديثها كما أشار (جنابه) إلى ذلك في أول الرسالة.
وقد كان هذا التخريج مبنياً على التقليد الذي ذهب بأبي غدة كل مذهب، واكتفى بنقل آراء المحدثين فقط دون ترجيح، فترك بذلك قراءه في حيرة لأنه هو في حيرة.
ورحم الله تعالى الشافعي فقد قال: المقلد كحاطب ليل، يحمل الأفعى وهو لا يدري...
حتى النقل أيضاً فإنه لم يحسنه، فقد عزا إلى الترمذي أنه قال عن الحديث الآتي: "غريب" مع أنه قال عنه "وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك".
وإلى القارئ مقارنة سريعة بين العلم والجهل وبين التخريج والتدجيل وبين المحدثين وأدعياء الحديث .. – ثم ذكر الأستاذ الشقفة أمثلة لجهالات أبي غدة الحديثية – ثم قال : "هذا مثال من أمثلة مما جاء في مراجعة الأحاديث الواردة في رسالة المحاسبي.
فهل نظلم أبو غدة إذا قلنا له: اذهب وتعلم الحديث قبل أن تتصدى إلى تخريجه، مما يقتضيه أبسط مبادئ العلم والأمانة!!
ورحم الله القائل:
فدع عنك الكتابة لست منها
ولو لطخت وجهك بالمداد! " .
5- وقال الشيخ الشمس الأفغاني – رحمه الله – ذاكرًا تلاميذ الكوثري : ( .. أصيب بأدواء الكوثري ، فصار أباغدة حقًا ، بل أباغدد صدقًا .. وقد كتبتُ رسالة بعنوان : براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة " - إلى أن قال - قال أبوغدة الكوثري في مقدمة ( الرفع والتكميل) عن رحلته إلى الهند وزيارته لقبر عبد الحي اللكنوي ( 1304 هـ) وذكر أنه مدفون في بستان الأنوار وبجانبه مسجد تقام فيه الصلوات ! ثم قال:
( ورأيت قبر الشيخ عبد الحي رحمه الله منحوتاً من المرمر الرخام الأبيض ومكتوباً عليه
قول تلميذه ( عبد العلي المدارسي) من قصيدة في رثائه ...:
أيها الزائر قف وأقرأ على هذا المزار ***** سورة الإخلاص والسبع المثاني والقنوت(
الرفع والتكميل 8/الطبعة الأولى –و14-15- الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة - 1407هـ) .
ولي على هذا تنبيهات :
1-أن من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن البناء على القبر وتشييده وجعله مزيناً بهذه الصورة من أكبر الجرائم المستوجبة للعنة ومن أعظم أسباب الشرك وهو من صنيع اليهود والنصارى .
2-أن هذا المنكر الشنيع يجب إنكاره إما باليد بهدمه وإما باللسان وعلى أقل تقدير بالجنان ، وأبوغدة لم يفعل شيئاً من ذلك ولم يتمعر جبينه في الله تعالى.
وكيف ينكر ذلك وهو لايراه منكراً وربما يراه تعظيماً للمقبور وإكراماً له ؟
ثم أسرة المقبور أحسنوا ضيافته فكيف ينكر عليهم وقد ألقموه لقمة ؟
خلق الله للحروب رجالاً ******** ورجالاً لقصعة وثريد
3-تزيين قبر أمثال هذا العالم المبجل في مثل ديار الهند المكتظة بالشركيات القبورية والخزعبلات الصوفية ليس إلا دعوة للشرك .
4-أين ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قراءة سورة الإخلاص والقنوت على القبر ؟!
مع تصريح كبار علماء الحنفية بأنه لايجوز لزائر القبر إلا ماورد في السنة الصحيحة من الدعاء لأهلها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. (الماتريدية للشمس السلفي:3/301-302) .
يُضاف على ماسبق :
1- قال اللكنوي في الرفع والتكميل ( ص 27 ) :" وأسأل الله سؤال الضارع الخاشع، متوسلاً بنبيه الشافع: أن يجعل جميع تصانيفي خالصة لوجهه الكريم " . ولم يُعلق أبوغدة على هذا التوسل البدعي .
2- قال اللكنوي الرفع والتكميل ( ص 211 ) : " وقد زل قدم من احتج على ضعف حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، بقول الذهبي في "ميزانه"، في ترجمة (موسى بن هلال) أحد رواته: وأنكر ما عنده حديثه عن عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "من زار قبري وجبت له شفاعتي". رواه ابن خزيمة عن محمد بن إسماعيل الأحمسي عنه. انتهى. وإن شئت زيادة التفصيل في هذا البحث الجليل، فارجع إلى رسائلي في بحث زيارة القبر النبوي، إحداها: "الكلام المبرم في نقض القول المحقق المحكم"، وثانيها: "الكلام المبرور في رد القول المنصور"، وثالثتها: "السعي المشكور في رد المذهب المأثور"، ألَّفتها رداً على رسائل من حج ولم يزر قبر النبي العربي، صلى الله عليه وسلم في كل بكرة وعشي " . ولم يُعلق المحدث ! أبوغدة . ولايخفاه ضعف هذه الأحاديث . والتوضيح في " الصارم المنكي " لابن عبدالهادي – رحمه الله - .
3- قال اللكنوي الرفع والتكميل ( ص 248 ) : "ومن ثم لم يقبل قول أبي حاتم في حق (موسى بن هلال العبدي)، أحد رواة حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي": إنه مجهول. لثبوت روايات الثقات عنه". ولم يُعلق أبوغدة .
4- قال اللكنوي الرفع والتكميل ( ص 251 ) : " وقال تقي الدين السبكي في "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" فعلق أبوغدة في الهامش : " هو أبو الحسن علي بن عبدالكافي السبكي، نسبة إلى سُبْك بالضم ، قرية بمصر. رئيس المحدثين وأحد المجتهدين، له تصانيف كثيرة تدل سعة نظره وجودة فكره، وله مناظرات مع معاصره ابن تيمية الحراني الحنبلي، وهو مصيب في أكثرها. توفي سنة 756. منه رحمه الله " ! لماذا لم تُصرح بهذه المناظرات التي أصاب في أكثرها ، مادمت تعتقدها !
5- قال أبوغدة في هامش ( ص 319 ) من الرفع والتكميل: " ولشيخنا الكوثري رحمه الله تعالى، كلمة جامعة في حال الذهبي، فقف عليها في تعليقه على رد السبكي على نونية ابن القيم، المسمى: "السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل" " !
6- قال أبوغدة في هامش ( ص 330 ) من الرفع والتكميل : " وقد نُقل عنه- أي ابن تيمية - عقائد فاسدة، شنّع عليه بها اليافعي وابن حجر المكي وغيرهما " !! فماهي هذه العقائد الفاسدة حتى نحذرها ، ونُحذّر منها ؟!
7- قال اللكنوي في الرفع والتكميل ( ص 414 ) : " وقدح أحمد في الحارث المحاسبي " .فقال أبوغدة في الهامش : " وذلك لاختلاف المشرب بين أحمد محدثاً، والمحاسبي متصوِّفاً متكلِّماً " ! فالمسألة مجرد مشارب ! لا سنة وبدعة .
8- نقل أبوغدة في ( ص 199 ) من الرفع والتكميل عن ابن حجر أن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – " كثير التحامل في رد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر " الرافضي ! وجواب هذا الاتهام يجده القارئ في رسالة الدكتور عبدالله الغصن " دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية " ، على هذا الرابط :
http://saaid.net/monawein/taimiah/index.htm
9- نقل أبوغدة ( ص 237 ) من تحقيقه لكتاب ( قواعد في علوم الحديث ) للتهانوي عن شيخه الكوثري قوله في الإمام البخاري : " ومن الغريب أن بعض من يعدّونه من أمراء المؤمنين في الحديث، يتبجح قائلاً: إني لم أُخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص " ! ولم يتعقبه .
10- نقل في ( ص 269 ) من الكتاب السابق قول السبكي عن ابن حزم وكتابه " الملل والنِحل " ،: " وقد أفرط في كتابه هذا في الغض من شيخ السنة أبي الحسن الأشعري، وكاد يصرح بكفره في غير موضع، وصرح بنسبته إلى البدعة في كثير من المواضع، وما هو عنده إلا كواحد من المبتدعة! " ثم قال : " قال عبدالفتاح: فهذا أيضاً يضاف إلى ما كان ابن حزم يجهله من العلماء وكتبهم، ويهجم عليهم بالتجريح والتجهيل لجهله بهم، فيقع في أشد العنت والتعنّت ".
11- قال في ( ص 441 ) من الكتاب السابق: " فهذا ابن تيمية نفسه متشدد في الجرح، فقد قال الحافظ في "لسان الميزان" 6: 319: وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر - الحلي الرافضي، مصنّف كتاب في فضائل علي رضي الله عنه- " . وقد سبق مثل هذا الاتهام .
12- في ( ص 470 ) من الكتاب السابق: قول التهانوي مؤلف الكتاب عن أحد شيوخه " ثم انتقل إلى رحمة ربه وجوار كرامته لستة عشر من شهر رجب سنة 1362هـ. اللهم ارفع درجاته، وتقبل حسناته، ومتعنا بفيوضه وبركاته بعد الممات، كما متعتنا بها في أيام الحياة ، ويرحم الله عبداً قال آمينا " ! ولمعرفة مقصد الديوبنديين بهذه الفيوضات تراجع رسالة ( الديوبندية ) .
13- قال أبوغدة عن الإمام ابن القيم – رحمه الله - ( ص 130 ) من تعليقه على ( الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة ) للكنوي: " بل تراه إذا روى حديثاً جاء على (مشربه) المعروف، بالغ في تقويته وتمتينه كل المبالغة، حتى يخيّل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر، في حين أنه قد يكون حديثاً ضعيفاً أو غريباً أو منكراً، ولكن لما جاء على (مشربه) جمع له جراميزه، وهبَّ لتقويته وتفخيم شأنه بكل ما أوتيه من براعة بيان وقوة لسان " ! فماهو مشرب ابن القيم المعروف ؟ وهل هو كمشرب أبي غدة ؟ وماالفرق ؟ وهل يقول مثل هذا سلفي ؟!
14- قال اللكنوي ( ص 155 ) من الكتاب السابق : " صحح الشيخ تقي الدين السبكي حديث ابن عمر في الزيارة " . فعلق أبوغدة بقوله : " في كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام ، ونص الحديث : من زار قبري وجبت له شفاعتي " !!
ولم يُبين المحدث درجة الحديث !
15- قال في ( ص 176) من الكتاب السابق : " وقد تعقّب شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى صنيع ابن تيمية في تشدده بنفي ما هو ثابت في كتاب أسماه: "التعقب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث"، ما يزال مخطوطاً " . قلتُ : لم يتهم شيخ الإسلام – رحمه الله – بالتشدد إلا أصحابك وشيوخك، ممن يريدونه أن يسكت عن أحاديث تروج لبدعهم ؛ في التوسل أو الزيارة أو الاستغاثة .
16- قال اللكنوي ( ص 196 ) من الكتاب السابق: " قال محمد بن عبدالرسول بن عبدالسيد البرزنجي المدني في "الإشاعة في أشراط الساعة" .. " . ولم يُعدل أو يُعلق أبوغدة على هذه الأسماء المُعبدة لغير الله !
17 – طبع أبوغدة رسالة لشيخ الإسلام بعنوان : " رسالة الألفة بين المسلمين " ، قال في مقدمتها ( ص 19 ) : ( وقد وقفت في مجموعة الرسائل المنيرية على رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعنوان " خلاف الأمة في العبادات ومذهب أهل السنة والجماعة " ) . ولكنه يحشر الأشاعرة في هذه الألفة ! ( انظر ص 18 ) ، وشيخ الإسلام إنما يعني بها أهل السنة .
18- نشره لرسالة أحد رؤوس الصوفيه ( الحارث المحاسبي ) الذي حذر منه الإمام أحمد – رحمه الله - ، موافقًا قول مقدم رسالته القائل ( ص 8 ) : ( والتصوف الإسلامي تربية علمية وعملية للنفوس ، وعلاج لأمراض القلوب ... – الخ مديحه - ) . ولا أظن مسلمًا الآن يجهل انحراف الصوفية – جميعًا – غاليهم ومعتدلهم – عن السنة ، فلماذا إحياء هذه الكتب التي تؤصل البدع في الناس ؟ إن كان مافي التصوف قد جاء به الإسلام ، فنحن في غنىً عنه ، وإن كان لم يأتِ به ، فلا خير لنا فيه ! والله الموفق .
( إعداد وجمع : سليمان الخراشي ) .
2- الشيخ طاهر الجزائري :
http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6540 (http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6540)
3- عبدالرحمن الكواكبي :
http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6542 (http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6542)
4- تابع : السنهوري :
http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6541 (http://www.alkashf.net/vb/showthread.php?t=6541)