|
التعامل مع المبتدعِ بين رد بدعته ومراعاة حقوق إسلامه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
التعامل مع المبتدعِ بين رد بدعته ومراعاة حقوق إسلامه
(تصحيحٌ لـمُمَـارساتِنا بالاحتكام إلى الكتاب والسنة وفهم السلف)
د. الشريف حاتم العوني
الحمد لله ذي الجلال، والصلاة والسلام على الرسول وأزواجه والآل.
أما بعد:
فأهل البدع وأصحاب الفسق طائفتان مخالفتان لأهل الحق.
وسوف أخص مقالي بإحدى الطائفتين، وهم المبتدعة، لغموض شأنها، ولقلّة التأصيل فيها.
ولا شك أن لأهل البدع تقسيماتٍ عديدة، تختلف باختلاف مناط التقسيم. لكنَّ أهمَّ تقسيماتهم: ما يتعلق بالـحُكم عليهم إسلامًا وكفرًا، وإيمانًا وفسقًا؛ لأن هذا التقسيم هو الذي ستُبنَى عليه أحكامٌ كثيرةٌ فيما يتعلّق بحكم المبتدع في الدنيا، وحكمه في الآخرة أيضًا.
والحكم على المبتدع بالإسلام أو الكفر، وبالإيمان أو الفسق، مرجعه إلى أمرين: إلى النظرِ في البدعة نفسها، والنظرِ في حال المبتدع نفسه.
وبـيان ذلك: أن البدعةَ إمـا أن تـكون بدعةً كُـفْريـةً، أو غيرَ كُـفريـةٍ. والبدعـة الكُـفريـة: إما أن تكون مناقضةً لصريح دلالة الشهادتين(1)، فهذه يُكَفَّرُ أصحابها على التعيين، ولا نعذرهم في أحكامنا عليهم بجهلٍ أو تأوّلٍ أو شُبْهةٍ. أو أن تكون البدعةُ الكُفريةُ غيرَ مناقضةٍ لصريح دلالة الشهادتين، لكنها تُعارِضُ أمرًا مقطوعًا به في الدين، وهذه يُمكنُ الإعذارُ فيها بالأعذار التي مرجعها إلى الجهل أو الخطأ، لكن إن أُقيمت الحجة على أصحابها (إقامةً صحيحة) فحينئذٍ يُمكن لأهل العلم تكفيرُهم(2). وإما أن تكون بدعتُهم بدعةً غيرَ كفريةٍ أصلاً، وهي التي لا تعارض أمرًا مقطوعًا به في الدين، فهذه لا يُكفَّرُ بها أحدٌ.. لا المتأوِّل ولا المعاند، لكنه قد يُفَسَّقُ إذا أُقيمت الحجة عليه، فتبيَّن إصراره وعنادُه.
فهذه ثلاثة أقسام للبدعة، مع بيان أحوال أصحابها إيمانًا وفسقًا وكفرًا.
وسأخصُّ هذا المقال بالمبتدع المسلم، وهو من كانت بدعته غيرَ كُفرية أصلاً، أو من كانت بدعتُه كفريةً، لكنها لا تناقِضُ دلالةَ الشهادتين، ولذلك يُعذر فيها بالجهل والخطأ، قبل إقامة الحجة الصحيحة عليه(3).
فهؤلاء: تستحق بِدَعُهم التشديدَ في ردّها، والحرصَ على استيفاءِ بيانِ بطلانها، بكل ما من شأنه أن يحقق مصلحة قَمْعِ هذا الرأي الذي يُحرّف حقائقَ الدين؛ إذْ في كُلِّ بدعةٍ تحريفٌ لحقائق الدين، بحسب غلظها أو خفّتها(4). فيجب أن تُرَدَّ تلك البدع، بكل قوّة ووضوح، دون مداراة أو مجاملة (ما أمكن ذلك)، وبالوسائل الشرعية الممكنة جميعها.
لكن هذا التشديدَ والغِلَظَ يخصّ البدعةَ نفسَها والرأي المبتدعَ عينَه، دون قائله وصاحبه، والذي هو غالبًا من المتأوّلين، الذين الأصل فيهم الإعذارُ بالجهل والشُّبَهِ الصارفةِ عن الحق. وتأوّلُ المبتدع (الذي يُعذَرُ معه عندنا في الظاهر) يستوجب أن يكون الأصلُ عدمَ التشديدِ عليه، بل ينبغي أن يكون إعذارُهُ واضحًا في تعاملنا معه، من جهة الرفق به وعدم تنفيره بالغلظة عن الحق وأهل الحق. ولا يصحُّ أن نُـقَرِّرَ إعذارَه، ثمّ نُغْفِلُ تقريرَنا هذا في منهج تعاملِنا معه.
بل لا ننسى أن المبتدع قد يكون مأجورًا في بدعته (لا عليها)، ومن جهتين: من جهة أنه اجتهدَ فـأخـطأ، ومن جهة أنه قد يكون دَاعِـيْـهِ إلى البدعـة حُـبَّ الله - تعالى -وحبَّ رسولـه - صلى الله عليه وسلم -، كما قال شيخ الإسلام ابن تيميّة عمن يقيم بدعةَ المولد، وأنه يؤجر على محبّته للنبي (- صلى الله عليه وسلم -)، لا على بدعتـــه(5).
بل الذي ينبغي علينا أن لا نَغْفُلَ عنه أبدًا تجاه المبتدع الذي لم يَـكْفُرْ، أي الذي لم يخرج عن الإسلام، أنّ حقوقَ المسلم على المسلم (التي بيّنتها نصوصُ الوحيين) تشمله، وله فيها ما لغيره من جميع المسلمين، سواء أفسّقْناهُ ببدعته(6)، أو كان عدلًا عندنا.
فللمبتدع على السُّنّي أن يُوَفِّـيَهُ حقَّهُ الإسلاميَّ العامّ، الذي ألزمت النصوصُ به كلَّ مسلمٍ لكلِّ مسلمٍ لم يخرج عن الإسلام. ولا يجوز على السُّنّي أن يَنْتَقِصَ المبتدعَ حقًّا أوجبه اللهُ - تعالى - له بالآراء وحظوظ النفس أو بالـمُعَاداةِ والـمُباغضةِ غيرِ المنضبطة بالشرع(7)؛ إلا إذا كان للمبتدع إفسادٌ، فيُـنْـتَـقَصُ من حقوقه بقدْرِ ما يدفع إفسادَهُ(8)، دون تجاوُزٍ ولا اعتداءٍ على هذا القَدْر!!
وهذا يعني أن عقوبة المبتدع حُكْمٌ مَصْلَحِيٌّ، ليس هو بالحكم الثابت في حقّ كل مبتدع. وإذا قلنا عن حُكمٍ ما: إنه مصلحي، فهذا يعني أنه لا يُشرَعُ العمل به إلا إذا علمنا أنه سيؤدّي إلى مصالحه، وإلا فلا يُشرَعُ العملُ به. ويعني أيضًا أنه لا يحق لكل أحد أن يقرِّر مشروعيته، ولكنّ تقريرَ ذلك محصورٌ في أهل العدل والتحرير من أهل العلم.
وخلاصة ذلك: أن عقوبةَ المبتدع خلافُ الأصل الذي نرجع إليه عند عدم العلم بحصولِ المصلحةِ المرجوّةِ من العقوبة، وهذا الأصلُ المرجوعُ إليه حينها هو:
أنه مسلمٌ، له ما للمسلمين من الحقوق. كما نَخْلُصُ من ذلك أيضًا: بأن مشروعيةَ عقوبةِ المبتدع تختلفُ من شخصٍ إلى شخص، ومن حالٍ إلى حال، وأن هذه العقوبة أيضًا مَظِنّةُ اختلافٍ بين أهل العلم: فهذا يرى عقوبةَ مبتدعٍ معيّنٍ لتحقُّقِ المصلحة منها عنده، والآخر لا يرى عقوبته لعدم تحقُّقِ المصلحة منها عنده، فلا يسوغُ الإنكار على أحدهما قبل أن نُثبِتَ له خطأه.
وأما من ظن أن البدعة وحدها تستوجبُ عقوبةَ صاحبِها مطلقًا، فأباح لنفسه أن ينتقص من حقوق المسلم المبتدِعِ ما شاء من حقوقِهِ الثابتةِ له بالإسلام، فقد أخطأ خطأً بيِّـنًا، وأوشك أن يستوجب عقوبةَ خالقِه على ظُلمه واعتدائه.
وسأضرب هنا مَـثَلًا بأحد أظهر الحقوق التي يُظَـنُّ أنها مُـنْـتَـقَصَةٌ من الحقوق الإسلاميّة للمبتدع، ألا وهو تحريم هجر المسلم فوق ثلاثة أيام، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان فَـيُـعْرِضُ هذا ويُعرضُ هذا، وخيرُهما الذي يبدأ صاحبَه بالسلام»(9).
فقد تعارضتِ الأقوالُ والمذاهبُ المنسوبةُ إلى السلف في هجر المبتدع، فلا يصحُّ بعد هذا التعارُضِ أن أنقلَها دون تحرير.
ومن أهمّ ما أُذكِّرُ به لتحرير مذاهب السلف في مسألة هجر المبتدع: ما سنثبته قريبا (إن شاء الله) من أن المسلمين من أهل البدع عند السلف مقبولو الشهادةِ والرواية، وهذا يدل على أنهم عدولٌ عندهم، فلا يصح أن أُقَرّر هذا الأصل عن السلف ثم أنقضُه بقولٍ أنسبُه إليهم، بأن أدّعي أن حكمَ التعامل مع المبتدع عندهم هو هجرُه مطلقًا؛ لأن هذا يُناقضُ ما دلَّ عليه موقفُ السلف الذي قرَّرَ أن من أهل البدع مَن يكون عدلا مؤمنًا عندهم، بدليل قبولهم شهادةَ أهلِ البدع وروايتِهم، ويعارضُ (قبل ذلك) حُكمَ السلف (وحُكمَنا) لأهل البدع بالإسلامِ، ويعارضُ أيضًا إعذارَهم بالتأوّل.
وقد تأتي عباراتٌ عن السلف في هذا الباب قد يظنها بعضُنا متناقضة، وقد يكون التناقُضُ في فهمنا لها، لا في تلك العبارات! فيعمد بعضُنا إلى انتقاء ما يريد، وترك ما لا يريد، لا لعدم اطلاعه على ما لا يرتضيه، ولا لكونه قد وجّهَ ما لا يرتضيه توجيها سائغا على ما وَفْقِ ما يرتضيه، ولكنه أغفله وتَعَامَى عنه لأنه لا يرتضيه فقط!!
ومن أمثلة ما جاء عن أئمة السنة الذين اختَلفَ النقلُ عنهم في شأن هجر المبتدع: ما جاء عن الإمامِ أحمد (عليه رحمة ُالله) (10). فلا يصحُّ أن أنتقي من أقواله ما أهوى دون ما لا أهوى، ولا أن أنسب إليه مذهبًا بناءً على قولٍ دون موازنته ببقية أقواله.
وممن حرّر مذهب الإمام أحمد في شأن هجر المبتدع: شيخُ الإسلام ابن تيمية، حيث ذهب هو أولاً إلى أن هجرَ المبتدعِ خاضعٌ حُكمُه للمصلحة(11)، بل قال - رحمه الله -: « وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين: في قوّتهم وضعفهم، وقلّتهم وكثرتهم؛ فإن المقصودَ به زَجْرُ المهجورِ وتأديبُـهُ، ورجوعُ العامة عن مِثْلِ حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحةً، بحيث يُفضي هجرُهُ إلى ضعف الشرّ وخِفْيتِه، كان مشروعًا. وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشرّ، والهاجرُ ضعيفٌ، بحيث يكون مفسدةُ ذلك راجحةً على مصلحته، لم يُشرع الهجر؛ بل يكون التأليفُ لبعض الناس أنفعَ من الهجر، والهجرُ لبعض الناس أنفعَ من التأليف... (ثم استدلّ لذلك، إلى أن قال: ) وجواب الأئمة كأحمدَ وغيرِه في هذا الباب مبنيٌّ على هذا الأصل. ولهذا كان يُفرِّقُ بين الأماكنِ التي كثُرت فيها البدع، كما كَثُرَ القَدَرُ في البصرة، والتجهُّم(12) بخراسان، والتشيُّعُ بالكوفة، وبين ما ليس كذلك... » (13).
وتحريرُ ابنِ تيمية لمذهبه هذا، و الذي نسبه إلى أئمة الإسلام قاطبةً، وإلى الإمام أحمد خاصةً، مرجِّحًا فيه أن مشروعيةَ هجرِ المبتدع ترجعُ إلى المصلحة تحريرٌ يجعل هجرَ المبتدع كهجر السُّنّي سواءً بسواء؛ لأن هجرَ السُّني أيضًا قد يجوز أو يجبُ لمصلحة دينيةٍ؛ والأصل في هجرهما عدم الجواز؛ لعموم النصِّ الناهي عن هجر المسلم فوق ثلاث؛ إلا إذا دعت مصلحةٌ دينيةٌ ظاهرةٌ إليه.
ومثالٌ آخر للحقوق التي يُظَنُّ أنها مُنـتَقَصةٌ من الحقِّ الإسلاميِّ العامِّ للمبتدع، بسبب الفهم القاصر لبعض عبارات السلف: ما يُمكنُ أن نفهمه من عبارةٍ للإمام مالكٍ - رحمه الله -، أنه قال عن القدرية: «لا يُصلَّى عليهم، ولا يُسلَّم على أهل القدر، ولا على أهل الأهواء جميعهم، ولا يُصلَّى خلفَهم، ولا تُـقْـبَلُ شهادتهم». ولكن انظر كيف فَهِمَ العلماءُ هذه العبارة، فقد فسَّرها الإمامُ المُحرِّرُ أبو عمر ابن عبد البرّ بما يراه حريًّا بمذهب الإمام مالك، فقال: « أما قوله: لا يُصَلَّى خلفهم، فإن الإمامة يُتخيَّرُ لها أهلُ الكمال في الدين من أهل التلاوة والفقه، هذا في الإمام الراتب(14). وأما قوله: لا يُصَلَّى عليهم، فإنه يريد لا يُصلِّي عليهم أئمةُ الدين وأهلُ العلم؛ لأن ذلك زجرٌ لهم وخزيٌ؛ لابتداعهم، رجاءَ أن ينتهوا عن مذهبهم، وكذلك تركُ ابتداءِ السلام عليهم. وأما أن تُتركَ الصلاةُ عليهم جُملةً إذا ماتوا، فلا، بل السنةُ الـمُجْتَمَعُ عليها أن يُصلَّى على كل من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، مبتدعًا كان، أو مرتكبًا للكبائر(15). ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أئمةِ الفتوى يقول في ذلك بقول مالك. وقد ذكرنا أقاويلَ العلماء في قبول شهاداتهم، في كتاب الشهادات، وأن مالكًا شذَّ عنهم في ذلك؛ إلا أحمد بن حنبل، قال: ما تُعجبني شهادة الجهمية ولا الرافضة ولا القدرية، قال إسحاق: وكذلك كل صاحب بدعة(16)... » (17).
ويحق لابن عبد البر أن يتأوَّل عبارات الإمام مالكٍ، لا لكونه عالـمًا بمذهبه فقط، ولا لكون ظاهر مقالته خطأً جليًّا يُنزّهُ الإمامُ عن مثله، ولا لكونه قولا شاذًّا عن مذاهب العلماء (حسب تعبير ابن عبد البر)، بل لكونه يعارضُ أقوالاً ومواقفَ أخرى للإمام مالك! من مثل قوله، وقد سُئل: «كيف رويتَ عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وغيرهم، وكانوا يُرمون بالقدر؟ فقال: إنهم كانوا لأن يخرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا »(18).
فما ذكره الإمام مالك من ذلك التشديدِ على أهل البدع إنما هو تأديبٌ لهم، فلا يُشرَعُ إلا إذا ظن العلماءُ المحرّرون (لا كل أحد) أن ذلك التشديدَ سيُؤدّبهم ويردعهم، أو كان لهم إفسادٌ لا يُدفَعُ إلا بتلك العقوبات التي يُحدِّدُها العلماءُ وحدهم أيضًا. وهذا يعني أن تلك العقوبات ليست هي الأصل في التعامل مع أهل البدع، إلا إذا كانت مؤدّيةً لمصالحِها، وأنهم في ذلك كالمسلم العاصي تمامًا، فلا يُـختَصُّ أهلُ البدع بتلك الأحكام! وإنما خصّهم مالكٌ وغيره من السلف بالذكر أحيانًا؛ لأن تأوُّلَ المبتدعِ وصلاحَه قد يُظَنُّ معه أن إيقاع ذلك التعزيرِ به غيرُ جائز مطلقًا.
وهذا هو صريحُ تقريرِ شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا، حيث قال: « والتعزير لمن ظهر منه تركُ الواجبات وفعل المحرّمات، كتارك الصلاة والتظاهُرِ بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع. وهذا حقيقة قول السلف والأئمة: إن الدُّعاة إلى البدع لا تُقبل شهادتهم، ولا يُصلَّى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يُناكَحون. فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا فرّقوا بين الداعية وغير الداعية(19)؛ لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحقّ العقوبة، بخلاف الكاتم، فإنه ليس شرًّا من المنافقين الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبَلُ علانيتهم، ويكِلُ سرائرَهم إلى الله... » (20)، ثم صرّحَ عَقِبَ هذا الكلام أن مناطَ ذلك راجعٌ إلى المصلحة المترتِّبة عليه، في كلامه المنقول آنفًا عن الهجر.
وبسبب أمثال تلك العبارات التي تحتاج إلى تريّثٍ وعلمٍ لفهمها، وتحتاج آحادُها إلى عرضٍ على الكتاب والسنة، جاء الخطأ في تعاملنا مع المبتدع. وتَرسَّخَ هذا الخطأُ أيضًا بسبب الخلط بين أمرين: أمرِ خطورةِ البدعة على الدين، وأمرِ منهجِ التعامل مع صاحب البدعة، الذي نُقرِّرُ أن الأصلَ فيه التأوّلُ الذي يُعذَرُ صاحبُه ويُؤجَر؛ وما كان ينبغي أن نخلط بين هذين الأمرين!!
ولا شك أنّ الانفصالَ التّامَّ بين البدعةِ و المتلبِّسِ بها غيرُ مُمكنٍ وغيرُ صحيح؛ ولذلك إذا انضمّت إلى البدعة دعوةٌ إليها، ومعاداةٌ لأهل السنة المخالفين للبدعة = استحقّ هذا الداعي من التشديد عليه بقدر ما يدفع إفسادَه، مع اعتقادنا (وثبوت هذا الاعتقاد) أنه قد يكون معذورًا مأجورًا في واقع الحال؛ لتأوّله وللشُّبَهِ التي عنده. فدَفْعُ الإفسادِ شيءٌ، وحُكمُ صاحبِهِ من جهة الأعذار شيءٌ آخر.
___________________________
الهوامش
(1) فالناقضُ الذي لا إعذارَ معه أبدًا هو الناقضُ الصريحُ للدلالة اللغوية التي تُفهَمُ من الشهادتين، لا للوازمهما. ودلالة الشهادتين اللغوية الصريحة مما لا ينبغي الخلافُ فيه، فكذلك يجبُ أن يكونَ ناقضُها الصريحُ: مما لا ينبغي أن يُختَلَفَ فيه.
فناقضُ (لا إله إلا الله) الصريح، هو: إنكار وجود الخالق، أو جَعْلُ غيرِ الله إلـهًا، أو ادعاءُ إلـهٍ مع الله؛ لأن هذا هو المناقِضُ للدلالة اللغوية لها، فناقضُ دلالةِ الإثبات: هو نَفْيُ الـمُثْـبَتِ، أو استبدالُ الـمُثْـبَتِ بغيره، وأما ناقضُ دلالةِ النفي: فهو إثبات الشَّريك لله - تعالى -.
وناقضُ (أن محمدًا رسولُ الله) الصريح، هو: تكذيبه - صلى الله عليه وسلم - في شيء مما جاء به، أو اعتقاد أنه لا طاعة له، أو بُغضُه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مقتضى الإيمان بالرسالة هو: التصديقُ بجميع ما جاء به الرسولُ، واعتقادُ استحقاقه للطاعة المطلقة، ومحبتُه على ما هدانا الله به من الخيرات وأنقذنا من الشرور.
(2) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا: « وهكذا الأقوال التي يُكَفَّرُ قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت، أو لم يتمكَّن من فهمها، وقد يكون عرضت له شُبُهات يعذره الله بها. فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحقّ، وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأَه كائنًا ما كان! سواء كان في المسائل النظرية، أو العملية. هذا الذي عليه أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماهيرُ أئمة الإسلام. وما قَسَّموا المسائل إلى أصولٍ يُكفَّرُ بإنكارها، ومسائلَ فروعٍ لا يُكَفَّرُ بإنكارها... »، مجموع الفتاوى (23/346). ونحوه فيها (19/206- 227). فشيخ الإسلام هنا يُقرِّرُ أن المبتدعةَ أصحابَ المقالاتِ الكُفريةِ (فضلًا عمن هم أقرب إلى الحق) ليسو فقط ممن لا يستحقّون التكفير قبل أمورٍ ثلاثة: بلوغ الحجة، وفهمِها، وإزالةِ عوارض الشبهة عنهم، بل صَرَّحَ أنهم مؤمنون! مغفورٌ ذلك الخطأُ الكُفْريُّ منهم!! بسبب إعذارهم بالجهل والتأول والشُّبَه.
ومع تقرير ابن تيمية لذلك، فقد قرّر هو وغيره من علماء المسلمين تكفيرَ طوائف من المنتسبين للإسلام (كالقرامطة وغيرهم)، ممن ناقضوا صريحَ دلالةِ الشهادتين، من غير إعذارٍ ولا توقُّفٍ لمعرفة ما عندهم من الشُّبه والجهالات. (فانظر مجموع الفتاوى 28/553 وحاشية ابن عابدين 4/244).
فالنقل الأول عن شيخ الإسلام يدلُّ على وجود بدعٍ كفريةٍ وبدع غير كفرية، وهو ظاهر، لكني أذكره لمن لا يطمئنّ قلبه إلا بأمثاله. وأما التقرير الثاني المذكور بعده عن شيخ الإسلام وعن غيره من العلماء فيدل على وجود بدع لا يُعذر فيها أحدٌ بأيِّ عذر. وهذه هي الأقسام الثلاثة للبدعة التي ذكرتها في الأصل، قد قرّرها العلماء من قبل.
(3) فكل الذي أريده من القارئ أن يقصر نظره في هذا المقال على المبتدع الذي يوافقني في كونه مازال مسلمًا عندي وعنده، مع كونه مبتدعًا عندي وعنده أيضًا.
(4) وكونُ البدعة تحريفًا لحقائق الدين هو أخشى ما يُخشى منها، وهو وجهُ الخطر الأعظم والخوف الأشدِّ منها.
(5) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (2/123).
(6) المبتدع لكونه متأوّلًا لا يُفسَّق بمجرّد البدعة، إلا إذا قام الدليل الصحيح بعدم إعذاره بالتأوّل، كأن تُقام عليه الحجّة، وتُزالَ عنه الشُّبْـهةُ في بدعةٍ مُفسِّقَةٍ، فَيَـثْبُتَ عندنا عِنادُه ثبوتًا ندينُ الله - تعالى -به.
ومن أطلق من أهل السنة القول بتفسيق مبتدع، وأردنا حملَ إطلاقه على موافقة الصواب: فإما أنه يخصُّ ذلك المبتدعَ المعيّن؛ لقيام موجِبِ تفسيقه عند العالم. أو أنه أراد بالفسق معناه اللغوي، وهو الخروج عن تعاليم الشريعة، بغضِّ النظر عن كونه آثمـًا في بدعته أم معذورًا فيها، وبغضِّ النظر عن كونه معظّـمًا للحُرُمات أو ليس معظِّـمًا لها، مع أن الفاسق في الاصطلاح لا يُطلقُ على غير الآثم ولا على المعظِّمِ للحرمات، وإنما يُطلقُ على الآثم بفعله للمحظور لعدم إعذاره فيه، ولا يوصَفُ بكونه فاسقًا إلا أن يكون مستهينًا بالـحُرُمات عند مَن وصفه بذلك.
وهذا كقول ابن القيّم الصريح فيه: «الفاسقُ باعتقاده: إذا كان متحفِّظًا في دينه، فإن شهادته مقبولة، وإن حكمنا بفسقه، كأهل البدع والأهواء الذين لا نُكَفِّرهم، كالرافضة، والخوارج، والمعتزلة، ونحوهم، هذا منصوصُ الأئمة... »، الطُّـرُق الحُكمية لابن القيم (1/461). فهنا أطلق ابنُ القيم الفسقَ على المتحفِّظ في الدين، وليس هذا هو الفاسقَ في الاصطلاح.
(7) وهذا كالذي كان قد نبّهَ عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية، عندما تكلّم عن ضوابط هجر المبتدع، ومتى تُشرع، ثم قال بعد ذلك: « وإذا عُرِفَ هذا، فالـهَجْرَةُ الشرعية: هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسولُه - صلى الله عليه وسلم -، فالطاعةُ لا بُدّ أن تكون خالصةً لله صوابًا. فمن هجر لهوًى في نفسه، أو هجر هجرًا غيرَ مأمورٍ به، كان خارجًا عن هذا. وما أكثر ما تفعلُ النفوسُ ما تهواه، ظانّةً أنها تفعله طاعةً لله!! ». مجموع الفتاوى (28/207).
(8) ويدخل في(دفع إفساده): استصلاحُه هو وعودته إلى الحق.
(9) أخرجه البخاري (رقم6077، 6237)، ومسلم (رقم2560).
(10) انظر اختلاف النقول عن الإمام أحمد في ذلك في الآداب الشرعية لابن مفلح (1/229-236، 237-239)
(11) كما نقل ذلك عنه ابنُ مفلح في الآداب الشرعية (1/ 233).
(12) في المصدر (والتنجيم)، والظاهر أنه تصحيف، صوابه ما أثبتّه، وانظر مجموع الفتاوى (20/301).
(13) مجموع الفتاوى (28/206-207). وانظر كلامًا نحوه في المسوّدة لآل تيمية (1/524-528).
(14) فهنا يحمل ابنُ عبد البرّ عبارةَ الإمامِ مالكٍ على أن اختيارَ الإمامِ الراتبِ للإمامة يجب أن يُحرَصَ فيه أن يكون على أحسن الأوصاف، لا أنّ الصلاةَ خلف أهل البدع لا تجوز؛ فإن القاعدة عند عامة أهل السنة في ذلك معلومة، وهي: أن كلَّ من صحّت صلاتُه لنفسه فقد صحّت لغيره؛ وحينئذٍ نقول: المسلمُ المبتدعُ لا يكون مسلمًا إلا أن تكون صلاتُه صحيحةً لنفسه. وانظر لذلك شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/569-570).
ولـمّا كان قولُ الإمام مالكٍ لا يصحُّ في هذا الأصل إلا أن يكون هو قولَ المحقّقين من أهلِ السنة؛ لأنه من أكبر أئمة السنة، كان ذلك صارفًا صحيحًا (لا يُشَكُّ في صحّته) نَصْرِفُ به عبارته عن ظاهرها!! خاصةً مع صارفٍ آخر: وهو بقية أقواله التي تُعارضُ هذا القول، والذي سيأتي أحدها في أصل المقال بعد قليل.
وقد عقد الإمامُ البخاري بابًا في صحيحه (باب إمامة المفتون والمبتدع)، ثم بدأ بنقلٍ علّقه جازمًا عن الحسن البصري (وهو صحيح عنه، كما تراه في تغليق التعليق 2/292-293)، أنه قال: «صلِّ، وعليه بدعته »، ثم أسند إلى عُبيد الله بن عدي بن الخِيار: « أنه دخل على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وهو محصورٌ، فقال: إنك إمامُ عامةٍ، ونزل بك ما نرى، ويُصلِّي لنا إمامُ فتنةٍ، ونتحرّج؟ فقال: الصلاة أحسنُ ما يعمل الناسُ، فإذا أحسنَ الناسُ فأحسِنْ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم ». (فتح الباري 2/188 رقم695).
(15) وهنا يُقرّر ابن عبد البرّ: أن بعض عقوبات المبتدع المعيّن إذا رأى العالمُ مشروعيّتها لما تحققه من المصالح، فإنها قد تُشرعُ وتجوزُ للعالم وحده، دون بقية المسلمين، فلا يجوز ذلك لهم.
وهذا تقريرٌ صحيح في نفسه؛ لأنّ بعضَ العقوبات لا يجوز أن يمارسها المسلمون كلُّهم ضدَّ المبتدع: إما لكون ذلك محرّمًا في الشرع أصلاً، كالصلاة على المبتدع المسلم التي لا يجوز أن يتركها المسلمون كلهم (كما قال ابن عبد البر)، وإما لأن عوامَّ المسلمين لن يستطيع أغلبُهم الوقوفَ ببعضِ العقوبات عند حدِّها المشروع، وسيُبالغون فيها حتى تخرجَ عن حدّها الجائز إلى الحدّ المحرّم.
وهنا أذكّر العلماءَ بواجبهم تجاه العامة في شأن ما يرونه من عقوباتٍ يقرّرون مشروعيتها تجاه أحد المبتدعة: بأن يُراعوا عَجْزَ أغلب العوام عن تقديرها قدرَها، وعن فَهْمِ المقصود منها، وأنها قد لا تستوجب تكفيرًا، وربما أنها لا تستوجب تفسيقًا أيضًا!!
(16) عبارة الإمامين أحمد وإسحاق جاءت في سؤالات الكوسج لهما (رقم2913)، قال الكوسج: «قلت: كان ابن أبي ليلى يجيز شهادة صاحب الهوى، إذا كان فيهم عدلًا، لا يستحلّ شهادة الزور؟ قال [أي أحمد]: ما يُعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية والـمُغْلِيَة.
قال إسحاق: كما قال، وكذلك كل صاحب بدعة يدعو إليها ».
وقوله (المغلية): أي الغُلاة.
(17) الاستذكار لابن عبد البر (26/103-104).
(18) التهذيب لابن حجر (2/32).
(19) التفريق بين الداعية وغير الداعية يدلُّ على أن العقوبة ليست بسبب البدعة التي يشترك فيها الاثنان (الداعية وغير الداعية)، وإنما لمصلحة عدم نشر البدعة. وتعليق تلك العقوبات بالمصالح يجعلها منوطةً بها، فلا تكون مشروعةً إلا إذا كانت محقِّقةً لها، وأن تقديرها يختلف من حالٍ إلى حال.
(20) مجموع الفتاوى (28/205).
يتبع بإذن الله تعالى

[CENTER][FONT=Arial][SIZE=6]صفحتى على موقع الشبكة الاسلامية
[/CENTER]
[URL="http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=lecview&sid=1302&read=0"][/URL][/SIZE][/FONT][CENTER][FONT=Arial][SIZE=6][/SIZE][/FONT] [/CENTER]
[CENTER][FONT=Arial][SIZE=6][/SIZE][/FONT][FONT=Arial][SIZE=6][/SIZE][/FONT] [URL="http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=lecview&sid=1302&read=0"][U][COLOR=#0000ff]http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=lecview&sid=1302&read=0[/COLOR][/U][/URL][/CENTER]
|