قصة الفرس الشهيرة (الصقلاوية العجوز)
ورحلتها من قلب (نجد) إلى أرض (مصر)
للكاتب: سعد بن مساعد العصَّامي المطيري
لقد استأثرت الخيل بحب العرب منذ أقدم العهود, لما تؤديه من خدمات يعجز عن أدائها سواها. لذلك كانت عنايتهم بها, واهتمامهم بتربيتها, عناية تفوق كل شيء, واهتماماً لا يكون مثله اهتمام, ففيها من خصال الشرف والمنافع, والغناء في السفر والحضر، وفي الحرب والسلم, وفي الزينة والبهاء, وفي العدة والعتاد, ما ليس في غيرها من الحيوان.
ولقد اشتهر العرب منذ أقدم العصور بالمحافظة على أنساب الخيل، وعدم الخلط بين سلالتها, فكانوا يتناقلونها مشافهة صغيرهم عن كبيرهم, وخلدوا ذكرها وصفاتها في قصائدهم ومقطعاتهم، ثم عكف فريق من العلماء, كالأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما على تدوينها تدوينا منظماً, ووضعوا في ذلك رسائلهم التي لم يصل إلينا منها إلاَّ النزر اليسير.
كما عرفت أرض نجد ومن قدم الأزمان بمرابط الخيل العتاق (الأصيلة) فمما يتناقله العرب من روايات أنَّه لما وقع سيل العرم فَرَّت الخيل، ولحقت بالقفر مع الوحوش, ثم ظهر منها خمسة من كرائمها في بلاد نجد. وفي رواية أخرى انه على إثر طوفان نوح نجت خمسة خيول توحشت في هضاب نجد واستطاع خمسة من فرسان البدو أن يمسكوها ويستأنسوها وهي: الكحيلة, الصقلاوية, أم عرقوب, الشويمة والعبيه.
ولذلك حرص السلاطين والملوك في أنحاء المعمورة على اقتناء الخيل النجدية لعراقتها ونقاء سلالتها.
ومن مشاهير الحكام والأمراء خارج أرض الجزيرة العربية الذين كانت لهم شهرة واسعة في اقتناء الخيل النجدية عباس باشا الأول حاكم مصر وسليل الأسرة الخديوية (1228هـ - 1270هـ). والذي بلغ من شدة ولعه بالخيل أن أرسل بعثة من رجالات دولته لمقابلة الحكام وشيوخ القبائل في نجد والجزيرة العربية لتدوين أصول الخيل التي اقتناها من نجد سواء كان عن طريق الإهداء أو الشراء . وكان معظمها تحصل عليه من خيل الإمام فيصل ين تركي الذي يعد أشهر حكام الدولة السعودية في دورها الثاني.
وكانت تربط الإمام فيصل بن تركي علاقات ودية مع عباس باشا ويعود ذلك في رواية أن عباس باشا هو من سهل وساعد في خروج الإمام فيصل من سجنه من القاهرة وعودته إلى نجد ليحكم مرة ثانية في عام 1259ه, فلقد كان عباس معجباً به وبعقله.
ومن الخيل النادرة في نجد تلك الفرس الصقلاوية العجوز التي ذكرت قصتها الليدي آن بلنت في كتابها (الحج إلى نجد) والتي ذكرت فيه أحداث رحلتها مع زوجها إلى شمال نجد وحائل في عام 1297هـ .
تذكر الليدي آن بلانت: أن هذه الفرس الصقلاوية العجوز كانت من خيل الإمام فيصل بن تركي, والنسل الأخير لهذه الفرس المشهورة كان قد بيع لعباس باشا, الذي أرسل من مصر عربةً تجرها الثيران خصيصاً لإحضارها، إذ كانت عجوزاً وغير قادرة على السفر سيراً من قلب نجد إلى أرض مصر. وهذه القصة معروفة تماماً هنا, ورويت بالضبط كما سمعناها في الشمال.
وأضافت الليدي آن بلنت قائلة: (إن صقلاوية عباس باشا أنجبت مهرين في مصر, مات أحدهما والآخر أهدي إلى ملك إيطاليا المتوفى. ولدى ملك إيطاليا الحالي خيل من نسله). ومن سلالة هذه الفرس العجوز الشهيرة كانت المهرة الصقلاوية التي كانت تسمى بصقلاوية شعيفي والتي شاهدتها الليدي آن بلنت وزوجها في رحلتهما لحائل وزيارتهما لإسطبلات الأمير محمد بن رشيد.
تقول الليدي آن بلنت عن هذه المهرة التي تعتبر الممثلة للسلالة الوحيدة الباقية في جزيرة العرب: (رمادية وتبدو عادية للوهلة الأولى، لها أرداف منحنية مترهلة ورأسها عادي، لكن أكتافها جميلة. إن هذه الصقلاوية تمتلك شهرة واسعة هنا (أي في نجد) وتعتبر ذات قيمة لكونها الأخيرة في سلالتها).
ويذكر صاحب كتاب (الجواد العربي): أن هذه الصقلاوية الأصيلة التي أحضرها عباس باشا على عجلة ثيران هي الأم العليا للأصل الصقلاوي بمصر. ومن ابنتها وأحفادها وحفيداتها ولدت الأفراس الصقلاوية التي صارت مفخرة مرابط أمراء الأسرة الخديوية.